البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٦ - صفة دخوله (عليه السلام) مكة
يحلها لكم يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل فلقد كثر إن نفع لقد قتلتم قتيلا لأدينه فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين إن شاءوا فدم قاتله و إن شاءوا فعقله» ثم ودى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ذلك الرجل الّذي قتلته خزاعة. فقال عمرو لأبي شريح: انصرف أيها الشيخ فنحن أعلم بحرمتها منك، إنها لا تمنع سافك دم، و لا خالع طاعة، و لا مانع جزية، فقال أبو شريح: إني كنت شاهدا و كنت غائبا و قد أمرنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يبلغ شاهدنا غائبنا، و قد أبلغتك فأنت و شأنك.
قال ابن هشام:
و بلغني أن أول قتيل وداه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم الفتح جنيدب بن الأكوع قتله بنو كعب فوداه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بمائة ناقة. و
قال الامام أحمد: حدثنا يحيى عن حسين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: لما فتحت مكة على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال «كفوا السلاح إلا خزاعة من بنى بكر» فأذن لهم حتى صلّى العصر ثم قال «كفوا السلاح» فلقى رجل من خزاعة رجلا من بنى بكر من غد بالمزدلفة فقتله، فبلغ ذلك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقام خطيبا فقال- فرأيته و هو مسند ظهره الى الكعبة قال- «إن أعدى الناس على اللَّه من قتل في الحرم، أو قتل غير قاتله أو قتل بذحول الجاهلية» و ذكر تمام الحديث و هذا غريب جدا.
و قد روى أهل السنن بعض هذا الحديث فأما ما فيه من أنه رخص لخزاعة أن تأخذ بثأرها من بنى بكر الى العصر من يوم الفتح فلم أره الا في هذا الحديث و كأنه إن صح من باب الاختصاص لهم مما كانوا أصابوا منهم ليلة الوتير و اللَّه أعلم. و
روى الامام أحمد عن يحيى بن سعيد و سفيان بن عيينة و يزيد بن هارون و محمد بن عبيد كلهم عن زكريا بن أبى زائدة عن عامر الشعبي عن الحارث بن مالك بن البرصاء الخزاعي سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول يوم فتح مكة «لا تغزى هذه بعد اليوم الى يوم القيامة» و رواه الترمذي عن بندار عن يحيى بن سعيد القطان به
و قال حسن صحيح.
قلت: فان كان نهيا فلا إشكال، و إن كان نفيا فقال البيهقي معناه على كفر أهلها و
في صحيح مسلم من حديث زكريا بن أبى زائدة عن عامر الشعبي عن عبد اللَّه بن مطيع عن أبيه مطيع بن الأسود العدوي قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم فتح مكة «لا يقتل قرشي صبرا بعد اليوم الى يوم القيامة»
و الكلام عليه كالأول سواء.
قال ابن هشام: و بلغني أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين افتتح مكة و دخلها قام على الصفا يدعو و قد أحدقت به الأنصار فقالوا فيما بينهم: أ ترون رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذ فتح اللَّه عليه أرضه و بلده يقيم بها؟ فلما فرغ من دعائه قال «ما ذا قلتم؟» قالوا لا شيء يا رسول اللَّه، فلم يزل بهم حتى أخبروه فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «معاذ اللَّه المحيا محياكم و الممات مماتكم» و هذا الّذي علقه ابن هشام قد أسنده الامام احمد بن حنبل في مسندة فقال ثنا بهز و هاشم قالا: حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت.
و قال هاشم حدثني ثابت البناني ثنا عبد اللَّه بن رباح قال: وفدت وفود إلى