البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٨ - صفة دخوله (عليه السلام) مكة
و حدثني- يعنى بعض أهل العلم- أن فضالة بن عمير بن الملوح- يعنى الليثي- أراد قتل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «أ فضالة؟» قال نعم فضالة يا رسول اللَّه، قال «ما ذا كنت تحدث به نفسك؟» قال لا شيء كنت أذكر اللَّه، قال فضحك النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ثم قال «استغفر اللَّه» ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه فكان فضالة يقول: و اللَّه ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق اللَّه شيء أحب الى منه،
قال فضالة فرجعت الى أهلي فمررت بامرأة كنت أتحدث اليها فقالت هلم الى الحديث؟ فقال لا، و انبعث فضالة يقول:
قالت هلم إلى الحديث فقلت لا* * * يأبى عليك اللَّه و الإسلام
أو ما رأيت محمدا و قبيله* * * بالفتح يوم تكسر الأصنام
لرأيت دين اللَّه أضحى بيّنا* * * و الشرك يغشى وجهه الاظلام
قال ابن إسحاق: و حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة قالت: خرج صفوان ابن أمية يريد جدة ليركب منها الى اليمن، فقال عمير بن وهب: يا نبي اللَّه إن صفوان بن أمية سيد قومه و قد خرج هاربا منك ليقذف نفسه في البحر، فأمنه يا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليك فقال «هو آمن» فقال يا رسول اللَّه فأعطني آية يعرف بها أمانك؟ فأعطاه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عمامته التي دخل فيها مكة، فخرج بها عمير حتى أدركه و هو يريد أن يركب في البحر فقال: يا صفوان فداك أبى و أمى اللَّه اللَّه في نفسك أن تهلكها هذا أمان من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قد جئتك به، قال ويلك أعرب عنى فلا تكلمني قال أي صفوان فداك أبى و أمى أفضل الناس و أبر الناس و أحلم الناس و خير الناس ابن عمك عزه عزك و شرفه شرفك و ملكه ملكك؟ قال إني أخافه على نفسي، قال هو أحلم من ذلك و أكرم. فرجع معه حتى وقف على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال صفوان: إن هذا يزعم أنك قد أمنتنى؟
قال «صدق» قال فاجعلني بالخيار فيه شهرين؟ قال «أنت بالخيار أربعة أشهر»
ثم حكى ابن إسحاق عن الزهري أن فاخة بنت الوليد امرأة صفوان و أم حكيم بنت الحارث بن هشام امرأة عكرمة بن أبى جهل و قد ذهبت وراءه الى اليمن فاسترجعته فأسلم فلما أسلما أقرهما رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تحتهما بالنكاح الأول. قال ابن إسحاق: و حدثني سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت قال: رمى حسان بن الزبعري و هو بنجران ببيت واحد ما زاد عليه:
لا تعدمن رجلا أحلك بغضه* * * نجران في عيش أحذ لئيم
فلما بلغ ذلك ابن الزبعري خرج الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأسلم و قال حين أسلم:
يا رسول المليك إن لساني* * * راتق ما فتقت إذ أنا بور
إذ أبارى الشيطان في سنن الغي* * * و من مال ميله مثبور