البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٦ - فصل فيما قيل من الاشعار في الخندق و بنى قريظة
أصابهم بلاء كان فيه* * * سوى ما قد أصاب بنى النضير
غداة أتاهم يهوى اليهم* * * رسول اللَّه كالقمر المنير
له خيل مجنّبة تعادي* * * بفرسان عليها كالصقور
تركناهم و ما ظفروا بشيء* * * دماؤهم عليها كالعمير
فهم صرعى تحوم الطير فيهم* * * كذاك يدان ذو العند الفجور
فأنذر مثلها نصحا قريشا* * * من الرحمن ان قبلت نذيرى
قال و قال حسان بن ثابت أيضا في بني قريظة:
تعاقد معشر نصروا قريشا* * * و ليس لهم ببلدتهم نصير
هم أوتوا الكتاب فضيعوه* * * و هم عمى من التوراة بور
كفرتم بالقرآن و قد أتيتم* * * بتصديق الّذي قال النذير
فهان على سراة بنى لوى* * * حريق بالبويرة مستطير
فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب فقال:
ادام اللَّه ذلك من صنيع* * * و حرق في طوائفها السعير
ستعلم أينا منها بنزه* * * و تعلم أي أرضينا تضير
فلو كان النخيل بها ركابا* * * لقالوا لا مقام لكم فسيروا
قلت: و هذا قاله أبو سفيان بن الحارث قبل أن يسلم، و قد تقدم في صحيح البخاري بعض هذه الأبيات. و ذكر ابن إسحاق جواب حسان في ذلك لجبل بن جوال الثعلبي تركناه قصدا.
قال ابن إسحاق: و قال حسان بن ثابت أيضا يبكى سعدا و جماعة ممن استشهد يوم بنى قريظة:
ألا يا لقومى هل لما حمّ دافع* * * و هل ما مضى من صالح العيش راجع
تذكرت عصرا قد مضى فتهافتت* * * بنات الحشا و انهلّ منى المدامع
صبابة وجد ذكرتني اخوة* * * و قتلى مضى فيها طفيل و رافع
و سعد فاضحوا في الجنان و أوحشت* * * منازلهم فالأرض منهم بلاقع
و فوا يوم بدر للرسول و فوقهم* * * ظلال المنايا و السيوف اللوامع
دعا فأجابوه بحق و كلهم* * * مطيع له في كل أمر و سامع
فما نكلوا حتى توالوا جماعة* * * و لا يقطع الآجال الا المصارع
لانهم يرجون منه شفاعة* * * إذا لم يكن إلا النبيون شافع
فذلك يا خير العباد بلاؤنا* * * اجابتنا للَّه و الموت ناقع