البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٩ - فصل
مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه لهلاك قريش الى آخر الدهر، قال فجلست على بغلة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) البيضاء فخرجت عليها حتى جئت الأراك فقلت لعلى أجد بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتى مكة فيخبرهم بمكان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يخرجوا اليه فيستأمنوه قبل أن يدخل عليهم عنوة، قال فو اللَّه إني لأسير عليها و ألتمس ما خرجت له إذا سمعت كلام أبى سفيان و بديل بن ورقاء و هما يتراجعان و أبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قط و لا عسكرا. قال يقول بديل: هذه و اللَّه خزاعة حمشتها الحرب، قال يقول أبو سفيان: خزاعة أذل و أقل من أن تكون هذه نيرانها و عسكرها. قال فعرفت صوته فقلت يأبا حنظلة؟ فعرف صوتي فقال أبو الفضل؟ قال قلت نعم، قال مالك فدى لك أبى و أمى؟ قال قلت ويحك يا أبا سفيان هذا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الناس فقال و اصباح قريش و اللَّه، فما الحيلة فداك أبى و أمى؟ قال قلت و اللَّه لئن ظفر بك ليضربن عنقك فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتى بك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأستأمنه لك، قال فركب خلفي و رجع صاحباه [١] و قال عروة: بل ذهبا الى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأسلما و جعل يستخبرهما عن أهل مكة. و قال الزهري و موسى بن عقبة: بل دخلوا مع العباس على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). [قال ابن إسحاق: قال فجئت به كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أنا عليها قالوا عم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على بغلة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال من هذا؟ و قام الىّ، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال أبو سفيان عدو اللَّه [الحمد للَّه الّذي أمكن منك بغير عقد و لا عهد؟ و زعم عروة بن الزبير أن عمر وجأ في رقبة أبى سفيان و أراد قتله فمنعه منه العباس. و هكذا
ذكر موسى بن عقبة عن الزهري أن عيون رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أخذوهم بأزمة جمالهم فقالوا من أنتم؟ قالوا وفد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فلقيهم العباس فدخل بهم على رسول اللَّه فحادثهم عامة الليل ثم دعاهم الى شهادة أن لا إله الا اللَّه فشهدوا و أن محمدا رسول اللَّه فشهد حكيم و بديل و قال أبو سفيان: ما أعلم ذلك ثم أسلم بعد الصبح ثم سألوه أن يؤمن قريشا فقال: «من دخل دار أبى سفيان فهو آمن- و كانت بأعلى مكة- و من دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن- و كانت بأسفل مكة- و من أغلق بابه فهو آمن»
قال العباس:] [٢] ثم خرج عمر يشتد نحو رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء، قال فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و دخل عليه عمر، فقال: يا رسول اللَّه هذا أبو سفيان قد أمكن اللَّه منه بغير عقد و لا عهد فدعني فلأضرب عنقه؟ قال قلت يا رسول إني قد أجرته، ثم جلست الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخذت برأسه فقلت و اللَّه لا يناجيه الليلة دوني رجل، فلما أكثر عمر في شأنه قال قلت: مهلا يا عمر فو اللَّه أن لو كان من رجال بنى عدي بن كعب ما قلت هذا، و لكنك قد عرفت
[١] صاحباه بديل بن ورقاء و حكيم بن حزام.
[٢] ما بين المربعين عن المصرية فقط.