البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٩ - غزوة مؤتة
اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في سرية، فلما لقينا العدو انهزمنا في أول غادية، فقدمنا المدينة في نفر ليلا فاختفينا ثم قلنا لو خرجنا الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و اعتذرنا اليه، فخرجنا اليه ثم التقيناه قلنا نحن الفرارون يا رسول اللَّه قال «بل أنتم العكارون و انا فئتكم» قال الأسود «و انا فئة كل مسلم»
و قال ابن إسحاق:
حدثني عبد اللَّه بن أبى بكر بن عمرو بن حزم عن عامر بن عبد اللَّه بن الزبير أن أم سلمة زوج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قالت لامرأة سلمة بن هشام بن المغيرة: ما لي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و مع المسلمين؟ قالت ما يستطيع أن يخرج كلما خرج صاح به الناس يا فرار فررتم في سبيل اللَّه، حتى قعد في بيته ما يخرج و كان في غزاة مؤتة.
قلت: لعل طائفة منهم فروا لما عاينوا كثرة جموع العدو على ما ذكروه مائتي ألف، و مثل هذا يسوغ الفرار على ما قد تقرر، فلما فر هؤلاء ثبت باقيهم و فتح اللَّه عليهم و تخلصوا من أيدي أولئك و قتلوا منهم مقتلة عظيمة كما ذكره الواقدي و موسى بن عقبة من قبله، و يؤيد ذلك و يشاكله بالصحة ما
رواه الامام احمد حدثنا الوليد بن مسلم حدثني صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك الأشجعي قال: خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة من المسلمين في غزوة مؤتة، و مدوى من اليمن ليس معه غير سيفه فنحر رجل من المسلمين جزورا فسأله المدوى طابقة من جلده فأعطاه إياه فاتخذه كهيئة الدرقة، و مضينا فلقينا جموع الروم و فيهم رجل على فرس له أشقر عليه سرج مذهب و سلاح مذهب، فجعل الرومي يغزى بالمسلمين، و قعد له المدوى خلف صخرة فمر به الرومي فعرقبه فخر و علاه فقتله، و حاز فرسه و سلاحه، فلما فتح اللَّه للمسلمين بعث اليه خالد بن الوليد يأخذ من السلب، قال عوف فأتيته فقلت يا خالد اما علمت ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قضى بالسلب للقاتل؟ قال بلى و لكنى استكثر به، فقلت به؟ فقلت لتردنه اليه أو لأعرفنكها عند رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فأبى أن يرد عليه. قال عوف فاجتمعنا عند رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقصصت عليه قصة المدوى و ما فعل خالد فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «يا خالد رد عليه ما أخذت منه» قال عوف فقلت دونك يا خالد أ لم أف لك؟ فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ما ذاك فأخبرته فغضب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قال «يا خالد لا ترد عليه هل أنتم تاركوا أمرائى لكم صفوة أمرهم و عليهم كدرة» قال الوليد سألت ثورا عن هذا الحديث فحدثني عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن عوف بنحوه. و رواه مسلم و أبو داود من حديث جبير بن نفير عن عوف بن مالك به نحوه
و هذا يقتضي انهم غنموا منهم و سلبوا من أشرافهم و قتلوا من أمرائهم، و قد تقدم فيما رواه البخاري أن خالدا رضى اللَّه عنه قال اندقت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف و ما ثبت في يدي إلا صفحة يمانية، و هذا يقتضي انهم اثخنوا فيهم قتلا و لو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلص منهم، و هذا وحده دليل مستقل و اللَّه أعلم. و هذا هو