البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٧ - سرية أبى عبيدة الى سيف البحر
خيثمة زهير بن معاوية الجعفي الكوفي عن أبى الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكيّ عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري به.
قلت: و مقتضى أكثر هذه السياقات أن هذه السرية كانت قبل صلح الحديبيّة و لكن أوردناها هاهنا تبعا للحافظ البيهقي (رحمه اللَّه) فإنه أوردها بعد مؤتة و قبل غزوة الفتح و اللَّه أعلم. و قد
ذكر البخاري بعد غزوة مؤتة سرية أسامة بن زيد الى الحرقات من جهينة فقال حدثنا عمرو بن محمد ثنا هشيم انبأنا حصين بن جندب ثنا أبو ظبيان قال سمعت أسامة بن زيد يقول: بعثنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم، و لحقت أنا و رجل من الأنصار رجلا منهم فلما غشيناه قال لا إله الا اللَّه، فكف الأنصاري و طعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال «يا أسامة أ قتلته بعد ما قال لا إله الا اللَّه؟» قلت كان متعوذا، فما زال يكررها حتى تمنيت أنى لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم. و قد تقدم هذا الحديث و الكلام عليه فيما سلف.
ثم روى البخاري من حديث يزيد بن أبى عبيد عن سلمة بن الأكوع قال: غزوت مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سبع غزوات و خرجت فيما يبعث من البعوث تسع غزوات علينا مرة أبو بكر و مرة أسامة بن زيد رضى اللَّه عنهما. ثم ذكر الحافظ البيهقي هاهنا موت النجاشي صاحب الحبشة على الإسلام و نعى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) له الى المسلمين و صلاته عليه. فروى من طريق مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نعى الى الناس النجاشي في اليوم الّذي مات فيه، و خرج بهم الى المصلّى فصف بهم و كبر أربع تكبيرات أخرجاه من حديث مالك و أخرجاه أيضا من حديث الليث عن عقيل عن الزهري عن سعيد و أبى سلمة عن أبى هريرة بنحوه. و
أخرجاه من حديث ابن جريج عن عطاء عن جابر قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «مات اليوم رجل صالح فصلوا على أصخمة» و قد تقدمت هذه الأحاديث أيضا و الكلام عليها و للَّه الحمد.
قلت: و الظاهر أن موت النجاشي كان قبل الفتح بكثير فان في صحيح مسلم أنه لما كتب إلى ملوك الآفاق كتب إلى النجاشي و ليس هو بالمسلم، و زعم آخرون كالواقدى أنه هو و اللَّه أعلم.
و روى الحافظ البيهقي من طريق مسلم بن خالد الزنجي عن موسى بن عقبة عن أبيه عن أم كلثوم قالت: لما تزوج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أم سلمة قال «قد أهديت الى النجاشي أواق من مسك و حلة و إني لأراه قد مات، و لا أرى الهدية إلا سترد على فان ردت على- أظنه قال- قسمتها بينكن أو فهي لك» قال فكان كما قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، مات النجاشي وردت الهدية فلما ردت عليه أعطى امرأة من نسائه أوقية، من ذلك المسك، و أعطى سائره أم سلمة، و أعطاها الحلة
و اللَّه أعلم.