البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٩ - غزوة الفتح الأعظم و كانت في رمضان سنة ثمان
رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «إن هذه السحابة لتستهل بنصر بنى كعب» و أمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الناس بالجهاز و كتمهم مخرجه و سأل اللَّه أن يعمى على قريش خبره حتى يبغتهم في بلادهم.
قال ابن إسحاق: و كان السبب الّذي هاجهم أن رجلا من بنى الحضرميّ اسمه مالك بن عباد من حلفاء الأسود بن رزن خرج تاجرا فلما توسط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه و أخذوا ماله، فعدت بنو بكر على رجل من بنى خزاعة فقتلوه، فعدت خزاعة قبيل الإسلام على بنى الأسود بن رزن الدئلي و هم مفخر بنى كنانة و أشرافهم، سلمى و كلثوم و ذؤيب فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم. قال ابن إسحاق: و حدثني رجل من الدئل قال كان بنو الأسود بن رزن يودون في الجاهلية ديتين ديتين. قال ابن إسحاق: فبينا بنو بكر و خزاعة على ذلك إذ حجز بينهم الإسلام، فلما كان يوم الحديبيّة و دخل بنو بكر في عقد قريش و دخلت خزاعة في عقد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و كانت الهدنة اغتنمها بنو الدئل من بنى بكر و أرادوا أن يصيبوا من خزاعة ثأرا من أولئك النفر، فخرج نوفل بن معاوية الدئلي في قومه و هو يومئذ سيدهم و قائدهم و ليس كل بنى بكر تابعه، فبيت خزاعة وهم على الوتير- ماء لهم- فأصابوا رجلا منهم و تحاوزوا و اقتتلوا و رفدت قريش بنى بكر بالسلاح، و قاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا حتى حاوزوا خزاعة الى الحرم، فلما انتهوا اليه قالت بنو بكر إنا قد دخلنا الحرم إلهك إلهك فقال كلمة عظيمة لا إله اليوم يا بنى بكر أصيبوا ثأركم فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم أ فلا تصيبون ثأركم؟ و لجأت خزاعة الى دار بديل بن ورقاء بمكة و الى دار مولى لهم يقال له رافع، و قد قال الأخزر ابن لعط الدئلي في ذلك:
ألا هل أتى قصوى الأحابيش أننا* * * رددنا بنى كعب بأفوق ناصل
حبسناهم في دارة العبد رافع* * * و عند بديل محبسا غير طائل
بدار الذليل الآخذ الضيم بعد ما* * * شفينا النفوس منهم بالمناصل
حبسناهم حتى إذا طال يومهم* * * نفخنا لهم من كل شعب بوابل
نذبّحهم ذبح التيوس كأننا* * * أسود نبارى فيهم بالقواصل
هم ظلمونا و اعتدوا في مسيرهم* * * و كانوا لدى الأنصاب أول قاتل
كأنهم بالجزع إذ يطردونهم* * * قفا ثور حفان النعام الجوافل
قال فأجابه بديل بن عبد مناة بن سلمة بن عمرو بن الأجب و كان يقال له بديل بن أم أصرم فقال:
تعاقد قوم يفخرون و لم ندع* * * لهم سيدا يندوهم غير نافل
أمن خيفة القوم الاولى تزدريهم* * * تجيز الوتير خائفا غير آئل
و في كل يوم نحن نحبو حباءنا* * * لعقل و لا يحبى لنا في المعاقل