البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٤ - بعثه (عليه السلام) خالد بن الوليد بعد الفتح الى بنى جذيمة من كنانة
إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون صبأنا صبأنا، و خالد يأخذ بهم أسرا و قتلا، قال و دفع إلى كل رجل منا أسيرا حتى إذا أصبح يوما أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، قال ابن عمر فقلت و اللَّه لا أقتل أسيرى و لا يقتل أحد من أصحابى أسيره، قال فقدموا على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فذكروا صنيع خالد فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و رفع يديه «اللَّهمّ إني أبرأ إليك مما صنع خالد» مرتين. و رواه البخاري و النسائي من حديث عبد الرزاق به نحوه.
قال ابن إسحاق: و قد قال لهم جحدم لما رأى ما يصنع خالد: يا بنى جذيمة ضاع الضرب قد كنت حذرتكم مما وقعتم فيه.
قال ابن إسحاق: و قد كان بين خالد و بين عبد الرحمن بن عوف- فيما بلغني- كلام في ذلك فقال له عبد الرحمن عملت بأمر الجاهلية في الإسلام؟ فقال إنما ثأرت بأبيك، فقال عبد الرحمن كذبت قد قتلت قاتل أبى، و لكنك ثأرت بعمك الفاكه بن المغيرة حتى كان بينهما شر، فبلغ ذلك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال «مهلا يا خالد دع عنك أصحابى فو اللَّه لو كان لك أحد ذهبا ثم أنفقته في سبيل اللَّه ما أدركت غدوة رجل من أصحابى و لا روحته»
ثم ذكر ابن إسحاق قصة الفاكه بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم عم خالد بن الوليد في خروجه هو و عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة و معه ابنه عبد الرحمن و عفان بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس و معه ابنه عثمان في تجارة الى اليمن و رجوعهم و معهم مال لرجل من بنى جذيمة كان هلك باليمن فحملوه الى ورثته فادعاه رجل منهم يقال له خالد بن هشام و لقيهم بأرض بنى جذيمة فطلبه منهم [قبل أن يصلوا الى أهل الميت] فأبوا عليه فقاتلهم فقاتلوه حتى قتل عوف و الفاكه و أخذت أموالهما و قتل عبد الرحمن قاتل أبيه خالد بن هشام و فر منهم عفان و معه ابنه عثمان إلى مكة، فهمت قريش بغزو بنى جذيمة فبعث بنو جذيمة يعتذرون اليهم بانه لم يكن عن ملأ منهم و ودوا لهم القتيلين و أموالهما و وضعوا الحرب بينهم، يعنى فلهذا قال خالد لعبد الرحمن إنما ثأرت بأبيك يعنى حين قتلته بنو حذيمة، فأجابه بأنه قد أخذ ثأره و قتل قاتله و رد عليه بأنه إنما ثأر بعمه الفاكه بن المغيرة حين قتلوه و أخذوا أمواله، و المظنون بكل منهما أنه لم يقصد شيئا من ذلك و إنما يقال هذا في وقت المخاصمة فإنما أراد خالد بن الوليد نصرة الإسلام و أهله و إن كان قد أخطأ في أمر و اعتقد أنهم ينتقصون الإسلام بقولهم صبأنا صبأنا، و لم يفهم عنهم أنهم أسلموا فقتل طائفة كثيرة منهم و أسر بقيتهم، و قتل أكثر الأسرى أيضا، و مع هذا لم يعزله رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بل استمر به أميرا و إن كان قد تبرأ منه في صنيعه ذلك و ودى ما كان جناه خطأ في دم أو مال ففيه دليل لأحد القولين بين العلماء في أن خطأ الامام يكون في بيت المال لا في ماله و اللَّه اعلم. و لهذا لم يعزله الصديق حين قتل مالك بن نويرة أيام الردة و تأول عليه ما تأول حين ضرب عنقه و اصطفى امرأته أم تميم فقال له عمر بن الخطاب: اعزله فان في سيفه رهقا فقال الصديق: لا أغمد سيفا سله اللَّه على المشركين