البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٥ - فصل
فقلت أنا يا رسول اللَّه قال فافعل. قال فخرجت أشتد مثل الظليم فلما نظر الىّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) موليا قال اللَّهمّ أمتعنا به قال فأدركت الغنم و قد دخلت أولها الحصن فأخذت شاتين من أخراها فاحتضنتهما تحت يدي ثم جئت بهما أشتد كأنه ليس معى شيء حتى ألقيتهما عند رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فذبحوهما فأكلوهما فكان أبو اليسر من آخر أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) موتا و كان إذا حدث هذا الحديث بكى ثم قال امتعوا بى لعمري حتى كنت من آخرهم.
و قال الحافظ البيهقي في الدلائل أخبرنا أبو محمد عبد اللَّه بن يوسف الأصبهاني حدثنا أبو سعيد بن الأعرابي حدثنا سعدان بن نصر حدثنا أبو معاوية عن عاصم الأحول عن أبى عثمان النهدي أو عن أبى قلابة قال لما قدم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خيبر قدم و الثمرة خضرة قال فأسرع الناس اليها فحمّوا فشكوا ذلك اليه فأمرهم أن يقرّسوا الماء في الشنان [١] ثم يجرونه عليهم إذا أتى الفجر و يذكرون اسم اللَّه عليه، ففعلوا ذلك فكأنما نشطوا من عقل. قال البيهقي و رويناه عن عبد الرحمن بن رافع موصولا و عنه بين صلاتي المغرب و العشاء. و قال الامام أحمد حدثنا يحيى و بهز قالا حدثنا سليمان بن المغيرة حدثنا حميد بن هلال حدثنا عبد اللَّه بن مغفل قال دلى جراب من شحم يوم خيبر فالتزمته فقلت لا أعطى أحدا منه شيئا قال فالتفتّ فإذا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يتبسم. و قال أحمد حدثنا عفان حدثنا شعبة عن حميد بن هلال عن عبد اللَّه بن مغفل قال كنا نحاصر قصر خيبر فألقى إلينا جراب فيه شحم فذهبت فأخذته فرأيت النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فاستحيت و قد أخرجه صاحبا الصحيح من حديث شعبة. و رواه مسلم أيضا عن شيبان بن فروخ عن عثمان ابن المغيرة. و قال ابن إسحاق و حدثني من لا اتهم عن عبد اللَّه بن مغفل المزني قال أصبت من فيء خيبر جراب شحم قال فاحتملته على عنقي الى رحلي و أصحابى قال فلقيني صاحب المغانم الّذي جعل عليها فأخذ بناحيته و قال هلم حتى تقسمه بين المسلمين قال و قلت لا و اللَّه لا أعطيكه قال و جعل يجاذبنى الجراب قال فرآنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و نحن نصنع ذلك فتبسم ضاحكا ثم قال لصاحب المغانم خل بينه و بينه قال فأرسله فانطلقت به الى رحلي و أصحابى فأكلناه. و قد استدل الجمهور بهذا الحديث على الامام مالك في تحريمه شحوم ذبائح اليهود و ما كان غلبهم عليه غيرهم من المسلمين لأن اللَّه تعالى قال وَ طَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ قال لكم قال و ليس هذا من طعامهم فاستدلوا عليه بهذا الحديث و فيه نظر و قد يكون هذا الشحم مما كان حلالا لهم و اللَّه أعلم. و قد استدلوا بهذا الحديث على أن الطعام لا يخمس و يعضد ذلك ما رواه الامام أبو داود حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو معاوية حدثنا إسحاق الشيباني عن محمد بن أبى مجالد عن عبد اللَّه بن أبى أوفى قال قلت كنتم تخمسون الطعام في عهد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال أصبنا طعاما يوم خيبر و كان الرجل يجيء فيأخذ منه قدر ما يكفيه ثم ينصرف. تفرد به أبو داود و هو حسن
[١] الشنان: الاسقية الخلقة، و هي أشدّ تبريدا للماء من الجدد