البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٥ - غزوة الحديبيّة
فيما بلغني يقول كنا أصحاب الحديبيّة أربع عشرة مائة.
قال الزهري و خرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر [١] بن سفيان الكعبي فقال يا رسول اللَّه هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العوذ المطافيل قد لبسوا جنود النمور و قد نزلوا بذي طوى يعاهدون اللَّه لا تدخلها عليهم أبدا و هذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموا الى كراع الغميم. قال فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يا ويح قريش قد أكلتهم الحرب ما ذا عليهم لو خلوا بيني و بين سائر العرب فان هم أصابونى كان ذلك الّذي أرادوا و ان أظهرنى اللَّه عليهم دخلوا في الإسلام و افرين و ان لم يفعلوا قاتلوا و بهم قوة فما تظن قريش فو اللَّه لا أزال أجاهد على هذا الّذي بعثني اللَّه به حتى يظهره اللَّه أو تنفرد هذه السالفة ثم قال من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد اللَّه ابن أبى بكر ان رجلا من أسلم قال أنا يا رسول اللَّه فسلك بهم طريقا وعرا أجرل بين شعاب فلما خرجوا منه و قد شق ذلك على المسلمين فأفضوا الى أرض سهلة عند منقطع الوادي قال رسول اللَّه قولوا نستغفر اللَّه و نتوب اليه فقالوا ذلك فقال و اللَّه انها للحطّة التي عرضت على بنى إسرائيل فلم يقولوها.
قال ابن شهاب فأمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الناس فقال اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض في طريق يخرجه على ثنية المرار مهبط الحديبيّة من أسفل مكة. قال فسلك الجيش ذلك الطريق فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم ركضوا راجعين الى قريش. و خرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى إذا سلك في ثنية المرار بركت ناقته فقال الناس خلأت فقال ما خلأت و ما هو لها بخلق و لكن حبسها حابس الفيل عن مكة لا تدعوني قريش اليوم الى خطة يسألونى فيها صلة الرحم الا أعطيتهم إياها. ثم قال للناس انزلوا. قيل له يا رسول اللَّه ما بالوادي ماء ينزل عليه. فأخرج سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه فنزل به في قليب من تلك القلب فغرزه في جوفه فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن. قال ابن إسحاق: فحدثني بعض أهل العلم عن رجال من أسلم ان الّذي نزل في القليب بسهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ناجية بن جندب [٢] سائق بدن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). قال ابن إسحاق و قد زعم بعض أهل العلم أن البراء بن عازب كان يقول: أنا الّذي نزلت بسهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فاللَّه أعلم أي ذلك كان. ثم استدل ابن إسحاق للأول ان جارية من الأنصار جاءت البئر و ناجية أسفله يميح فقالت:
يا أيها المائح دلوي دونكا* * * انى رأيت الناس يحمدونكا
يثنون خيرا و يمجدونكا
[١] قال ابن هشام: و يقال «بسر»
[٢] تمامه عند ابن هشام: ناجية بن جندب بن عمير بن يعمر بن دارم بن عمرو بن وائلة بن سهم بن مازن بن سلامان بن أسلم بن أفصى بن أبى حارثة