البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١ - فصل فيما لقي النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يومئذ من المشركين قبحهم اللَّه
ما مات عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، منهم أنس بن النضر و غيره ممن سيأتي ذكره، و قد أنزل اللَّه تعالى التسلية في ذلك على تقدير وقوعه فقال تعالى وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ، وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ* وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا، وَ مَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها، وَ مَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها، وَ سَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ* وَ كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ ما ضَعُفُوا وَ مَا اسْتَكانُوا وَ اللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ* وَ ما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَ إِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَ ثَبِّتْ أَقْدامَنا وَ انْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ* فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَ حُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ* بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَ هُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ* سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَ مَأْواهُمُ النَّارُ وَ بِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ. و قد تكلمنا على ذلك مستقصى في كتابنا التفسير و للَّه الحمد. و قد خطب الصديق رضى اللَّه عنه في أول مقام قامه بعد وفاة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: أيها الناس، من كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات، و من كان يعبد اللَّه فان اللَّه حي لا يموت. ثم تلا هذه الآية وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ الآية. قال: فكأنّ الناس لم يسمعوها قبل ذلك، فما من الناس أحد الا يتلوها. و روى البيهقي في دلائل النبوة من طريق ابن أبى نجيح عن أبيه قال: مرّ رجل من المهاجرين يوم أحد على رجل من الأنصار و هو يتشحط في دمه. فقال له: يا فلان، أشعرت أن محمدا قد قتل. فقال الأنصاري: ان كان محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد قتل فقد بلغ الرسالة فقاتلوا عن دينكم، فنزل وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ الآية. و لعل هذا الأنصاري هو أنس بن النضر رضى اللَّه عنه و هو عم أنس بن مالك. قال الامام أحمد حدّثنا يزيد حدّثنا حميد عن أنس أن عمه غاب عن قتال بدر، فقال غبت عن أول قتال قاتله النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) للمشركين، لئن اللَّه أشهدنى قتالا للمشركين ليرينّ ما أصنع. فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون، فقال: اللَّهمّ انى أعتذر إليك عما صنع هؤلاء- يعنى أصحابه- و ابرأ إليك مما جاء به هؤلاء- يعنى المشركين- ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ دون أحد فقال سعد: أنا معك. قال سعد: فلم أستطع أصنع ما صنع، فوجد فيه بضع و ثمانون من بين ضربة بسيف و طعنة برمح و رمية بسهم، قال: فكنا نقول: فيه و في أصحابه نزلت فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ. و رواه الترمذي عن عبد بن حميد و النسائي عن إسحاق بن راهويه كلاهما عن يزيد بن هارون به و قال الترمذي: حسن، قلت: بل على شرط الصحيحين من هذا الوجه. و قال أحمد حدثنا بهز و حدثنا هاشم قالا حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت قال قال