البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٩ - فصل
و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و المسلمون في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا إذ أتانا آت فقلت يا حسان ان هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن و انى و اللَّه ما آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا من يهود و قد شغل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أصحابه فانزل اليه فأقتله. قال يغفر اللَّه لك يا بنت عبد المطلب و اللَّه لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا. قالت فلما قال لي ذلك و لم أر عنده شيئا احتجزت ثم أخذت عمودا ثم نزلت من الحصن اليه فضربته بالعمود حتى قتلته فلما فرغت منه رجعت الى الحصن فقلت يا حسان انزل فاستلبه فإنه لم يمنعني من سلبه الا انه رجل. قال ما لي بسلبه حاجة يا ابنة عبد المطلب.
قال موسى بن عقبة و أحاط المشركون بالمسلمين حتى جعلوهم في مثل الحصن من كتائبهم فحاصروهم قريبا من عشرين ليلة و أخذوا بكل ناحية حتى لا يدرى أتم أم لا قال و وجهوا نحو منزل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كتيبة غليظة فقاتلوهم يوما الى الليل فلما حانت صلاة العصر دنت الكتيبة فلم يقدر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و لا أحد من أصحابه الذين كانوا معه أن يصلوا الصلاة على نحو ما أرادوا فانكفأت الكتيبة مع الليل فزعموا ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال شغلونا عن صلاة العصر ملأ اللَّه بطونهم و قلوبهم و في رواية و قبورهم نارا. فلما اشتد البلاء نافق ناس كثير و تكلموا بكلام قبيح فلما رأى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ما بالناس من البلاء و الكرب جعل يبشرهم و
يقول «و الّذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة و انى لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق آمنا و أن يدفع اللَّه الىّ مفاتيح الكعبة و ليهلكن اللَّه كسرى و قيصر و لتنفقن كنوزهما في سبيل اللَّه»
و قد قال البخاري: حدّثنا إسحاق حدّثنا روح حدثنا هشام عن محمد عن عبيدة عن عليّ عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه قال يوم الخندق «ملأ اللَّه عليهم بيوتهم و قبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس» و هكذا رواه بقية الجماعة إلا ابن ماجة من طرق عن هشام بن حسان عن محمد ابن سيرين عن عبيدة عن على به و رواه مسلم و الترمذي من طريق سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أبى حسان الأعرج عن عبيدة عن على به و قال الترمذي حسن صحيح.
ثم قال البخاري حدثنا المكىّ بن إبراهيم حدثنا هشام عن يحيى عن أبى سلمة عن جابر بن عبد اللَّه أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش و قال: يا رسول اللَّه ما كدت أن أصلى حتى كادت الشمس أن تغرب قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و اللَّه ما صليتها فنزلنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بطحان فتوضأ للصلاة و توضأنا لها فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلّى بعدها المغرب. و قد رواه البخاري أيضا و مسلم و الترمذي و النسائي من طرق عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة به
و قال الامام احمد حدثنا عبد الصمد حدثنا ثابت حدثنا هلال عن عكرمة عن ابن عباس قال قاتل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عدوا فلم يفرغ منهم حتى أخر العصر عن وقتها فلما رأى ذلك قال «اللَّهمّ من حبسنا عن الصلاة