البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٦٠ - فصل في مرجعه (عليه السلام) من الطائف و قسمة غنائم هوازن التي أصابها يوم حنين قبل دخوله مكة معتمرا من الجعرانة
و ما كان حصن و لا حابس* * * يفوقان مرداس في المجمع
و ما كنت دون امرئ منهما* * * و من تضع اليوم لا يرفع
قال عروة و موسى بن عقبة عن الزهري: فبلغ ذلك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال له «أنت القائل أصبح نهبي و نهب العبيد بين الأقرع و عيينة؟» فقال أبو بكر ما هكذا قال يا رسول اللَّه و لكن و اللَّه ما كنت بشاعر و ما ينبغي لك، فقال «كيف قال؟» فأنشده أبو بكر فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «هما سواء ما يضرك بأيهما بدأت» ثم قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «اقطعوا عنى لسانه» فخشي بعض الناس أن يكون أراد المثلة به و إنما أراد النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) العطية، قال و عبيد فرسه.
و قال البخاري حدثنا محمد ابن العلاء ثنا أسامة عن يزيد بن عبد اللَّه عن أبى بردة عن أبى موسى قال: كنت عند النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو نازل بالجعرانة بين مكة و المدينة و معه بلال، فأتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أعرابى فقال: الا تنجز لي ما وعدتني؟ فقال له «ابشر» فقال قد أكثرت على من أبشر! فأقبل على أبى موسى و بلال كهيئة الغضبان فقال «رد البشرى فأقبلا أنتما» ثم دعا بقدح فيه ماء فغسل يديه و وجهه فيه و مج فيه ثم قال «اشربا منه و افرغا على وجوهكما و نحوركما و ابشرا» فأخذا القدح ففعلا، فنادت أم سلمة من وراء الستر أن أفضلا لأمكما. فأفضلا لها منه طائفة.
هكذا رواه. و قال البخاري حدثنا يحيى بن بكير ثنا مالك عن إسحاق بن عبد اللَّه عن أنس بن مالك قال: كنت أمشى مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و عليه يرد نجرانى غليظ الحاشية فأدركه أعرابى فجذبه جذبة شديدة حتى نظرت الى صفحة عاتق رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته، قال: مر لي من مال اللَّه الّذي عندك، فالتفت اليه فضحك ثم أمر له بعطاء. و قد ذكر ابن إسحاق الذين أعطاهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يومئذ مائة من الإبل و هم أبو سفيان صخر بن حرب، و ابنه معاوية، و حكيم بن حزام، و الحارث بن كلدة أخو بنى عبد الدار، و علقمة بن علاثة، و العلاء بن حارثة الثقفي حليف بنى زهرة، و الحارث بن هشام، و جبير بن مطعم، و مالك بن عوف النصري، و سهيل بن عمرو، و حويطب بن عبد العزى، و عيينة ابن حصن، و صفوان بن أمية، و الأقرع بن حابس،
قال ابن إسحاق: و حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن قائلا قال لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من أصحابه: يا رسول اللَّه أعطيت عيينة و الأقرع مائة مائة و تركت جعيل بن سراقة الضمريّ؟! فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «أما و الّذي نفس محمد بيده لجعيل خير من طلاع الأرض كلهم مثل عيينة و الأقرع، و لكن تألفتهما ليسلما، و وكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه»
ثم ذكر ابن إسحاق من أعطاه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دون المائة ممن يطول ذكره. و في الحديث الصحيح عن صفوان بن أمية أنه قال: ما زال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يعطيني من غنائم حنين و هو أبغض الخلق إليّ حتى ما خلق اللَّه شيئا أحب إلى منه.