البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٨ - فصل في فضل هؤلاء الأمراء الثلاثة زيد و جعفر و عبد اللَّه رضى اللَّه عنهم
رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو يخطب فسمعه يقول «اجلسوا» فجلس مكانه خارجا من المسجد حتى فرغ الناس من خطبته، فبلغ ذلك النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال «زادك اللَّه حرصا على طواعية اللَّه و طواعية رسوله»
و قال البخاري في صحيحه و قال ابن معاذ اجلس بنا نؤمن ساعة. و قد ورد الحديث المرفوع في ذلك عن عبد اللَّه بن رواحة بنحو ذلك
فقال الامام أحمد حدثنا عبد الصمد عن عمارة عن زياد النحويّ عن أنس قال: كان عبد اللَّه بن رواحة إذا لقي الرجل من أصحابه يقول: تعال نؤمن بربنا ساعة، فقال ذات يوم لرجل فغضب الرجل فجاء فقال يا رسول اللَّه ألا ترى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة! فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «رحم اللَّه ابن رواحة إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة»
و هذا حديث غريب جدا. و قال البيهقي ثنا الحاكم ثنا أبو بكر ثنا محمد بن أيوب ثنا أحمد بن يونس ثنا شيخ من أهل المدينة عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار أن عبد اللَّه بن رواحة قال لصاحب له: تعال حتى نؤمن ساعة، قال أو لسنا بمؤمنين؟ قال بلى و لكنا نذكر اللَّه فنزداد إيمانا. و قد روى الحافظ أبو القاسم اللاكائي [١] من حديث أبى اليمان عن صفوان بن سليم عن شريح بن عبيد أن عبد اللَّه بن رواحة كان يأخذ بيد الرجل من أصحابه فيقول: قم بنا نؤمن ساعة فنجلس في مجلس ذكر. و هذا مرسل من هذين الوجهين و قد استقصينا الكلام على ذلك في أول شرح البخاري و للَّه الحمد و المنة. و في صحيح البخاري عن أبى الدرداء قال: كنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في سفر في حر شديد و ما فينا صائم إلا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و عبد اللَّه بن رواحة رضى اللَّه عنه، و قد كان من شعراء الصحابة المشهورين، و مما نقله البخاري من شعره في رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):
و فينا رسول اللَّه نتلو كتابه* * * إذا انشق معروف من الفجر ساطع
يبيت يجافى جنبه عن فراشه* * * إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا* * * به موقنات أن ما قال واقع
و قال البخاري حدثنا عمران بن ميسرة ثنا محمد بن فضيل عن حصين عن عامر عن النعمان بن بشير قال: أغمى على عبد اللَّه بن رواحة فجعلت أخته عمرة تبكى، وا جبلاه وا كذا وا كذا تعدد عليه فقال حين أفاق: ما قلت شيئا الا قيل لي أنت كذلك؟ حدثنا قتيبة ثنا خيثمة عن حصين عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال: أغمى على عبد اللَّه بن رواحة، بهذا. فلما مات لم تبك عليه و قد قدمنا ما رثاه به حسان بن ثابت مع غيره. و قال شاعر من المسلمين ممن رجع من مؤتة مع من رجع رضى اللَّه عنهم:
كفى حزنا أنى رجعت و جعفر* * * و زيد و عبد اللَّه في رمس أقبر
[١] كذا في الأصل و في الحلبية: اللاكانى و المحفوظ: اللالكائي.