البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٦ - فصل في فضل هؤلاء الأمراء الثلاثة زيد و جعفر و عبد اللَّه رضى اللَّه عنهم
من أخيه على بعشر سنين، و كان عقيل أسن من جعفر بعشر سنين، و كان طالب أسن من عقيل بعشر سنين، أسلم جعفر قديما و هاجر إلى الحبشة و كانت له هناك مواقف مشهورة، و مقامات محمودة، و أجوبة سديدة، و أحوال رشيدة، و قد قدمنا ذلك في هجرة الحبشة و للَّه الحمد. و قد قدم على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم خيبر
فقال عليه الصلاة السلام «ما أدرى أنا بأيهما أسر، أ بقدوم جعفر أم بفتح خيبر» و قام اليه و اعتنقه و قبل بين عينيه، و قال له يوم خرجوا من عمرة القضية «أشبهت خلقي و خلقي»
فيقال إنه حجل عند ذلك فرحا كما تقدم في موضعه و للَّه الحمد و المنة. و لما بعثه الى مؤتة جعل في الامرة مصليا- أي نائبا- لزيد بن حارثة، و لما قتل وجدوا فيه بضعا و تسعين ما بين ضربة بسيف، و طعنة برمح، و رمية بسهم، و هو في ذلك كله مقبل غير مدبر، و كانت قد طعنت يده اليمنى ثم اليسرى و هو ممسك للواء فلما فقدهما احتضنه حتى قتل و هو كذلك. فيقال إن رجلا من الروم ضربه بسيف فقطعه باثنتين رضى اللَّه عن جعفر و لعن قاتله، و قد أخبر عنه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بانه شهيد، فهو ممن يقطع له بالجنة. و جاء بالأحاديث تسميته بذي الجناحين. و روى البخاري عن ابن عمر أنه كان إذا سلّم على ابنه عبد اللَّه بن جعفر يقول: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين، و بعضهم يرويه عن عمر بن الخطاب نفسه، و الصحيح ما في الصحيح عن ابن عمر. قالوا لأن اللَّه تعالى عوضه عن يديه بجناحين في الجنة و قد تقدم بعض ما روى في ذلك.
قال الحافظ أبو عيسى الترمذي:
حدثنا على بن حجر ثنا عبد اللَّه بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة قال قال (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «رأيت جعفرا يطير في الجنة مع الملائكة»
و تقدم في حديث أنه رضى اللَّه عنه قتل و عمره ثلاث و ثلاثين سنة. و قال ابن الأثير في الغابة كان عمره يوم قتل إحدى و أربعين، قال و قيل غير ذلك.
قلت: و على ما قيل إنه كان أسن من على بعشر سنين يقتضي أن عمره يوم قتل تسع و ثلاثون سنة لأن عليا أسلم و هو ابن ثمان سنين على المشهور فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، و هاجر و عمره احدى و عشرين سنة، و يوم مؤتة كان في سنة ثمان من الهجرة و اللَّه أعلم. و قد كان يقال لجعفر بعد قتله الطيار لما ذكرنا، و كان كريما جوادا ممدحا، و كان لكرمه يقال له أبا المساكين لإحسانه اليهم. قال الامام احمد و حدثنا عفان بن وهيب ثنا خالد عن عكرمة عن أبى هريرة قال: ما احتذى النعال و لا انتعل، و لا ركب المطايا و لا لبس الثياب من رجل بعد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أفضل من جعفر بن أبى طالب و هذا إسناد جيد الى أبى هريرة و كأنه إنما يفضله في الكرم، فاما في الفضيلة الدينية فمعلوم أن الصديق و الفاروق بل و عثمان بن عفان أفضل منه، و اما أخوه على رضى اللَّه عنهما فالظاهر أنهما متكافئان أو على أفضل منه، و انما أراد أبو هريرة تفضيله في الكرم بدليل ما رواه البخاري ثنا