البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨ - مقتل كعب بن الأشرف اليهودي
عليه أسيافهم فلم تغن شيئا. قال محمد بن مسلمة فذكرت مغولا في سيفي فأخذته و قد صاح عدو اللَّه صيحة لم يبق حولنا حصن إلّا أو قدت عليه نار، قال فوضعته في ثنته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته فوقع عدوّ اللَّه و قد أصيب الحارث بن أوس يجرح في رجله أو في رأسه اصابه بعض سيوفنا، قال فخرجنا حتى سلكنا على بنى أمية بن زيد ثم على بنى قريظة ثم على بعاث حتى أسندنا في حرة العريض و قد أبطأ علينا صاحبنا الحارث بن أوس و نزفه الدم فوقفنا له ساعة ثم أتانا يتبع آثارنا فاحتملناه فجئنا به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) آخر الليل و هو قائم يصلى فسلمنا عليه فخرج إلينا فأخبرناه بقتل عدوّ اللَّه و تفل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على جرح صاحبنا و رجعنا الى أهلنا فأصبحنا و قد خافت يهود بوقعتنا بعدو اللَّه فليس بها يهودي إلا و هو خائف على نفسه. قال ابن جرير: و زعم الواقدي أنهم جاءوا برأس كعب بن الأشرف الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). قال ابن إسحاق: و في ذلك يقول كعب بن مالك:
فغودر منهم كعب صريعا* * * فذلت بعد مصرعه النضير
على الكفين ثم وقد علته* * * بأيدينا مشهرة ذكور
بأمر محمد إذ دس ليلا* * * الى كعب أخا كعب يسير
فماكره فأنزله بمكر* * * و محمود أخو ثقة جسور
قال ابن هشام: و هذه الأبيات في قصيدة له في يوم بنى النضير ستأتي. قلت: كان قتل كعب ابن الأشرف على يدي الأوس بعد وقعة بدر، ثم ان الخزرج قتلوا أبا رافع بن أبى الحقيق بعد وقعة أحد كما سيأتي بيانه ان شاء اللَّه و به الثقة. و قد أورد ابن إسحاق شعر حسان بن ثابت:
للَّه درّ عصابة لاقيتهم* * * يا ابن الحقيق و أنت يا ابن الأشرف
يسرون بالبيض الخفاف إليكم* * * مرحا كأسد في عرين مغرف
حتى أتوكم في محل بلادكم* * * فسقوكم حتفا ببيض ذفف
مستبصرين لنصر دين نبيهم* * * مستصغرين لكل أمر مجحف
قال محمد بن إسحاق: و قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه»
فوثب عند ذلك محيصة بن مسعود الأوسي على ابن سنينة- رجل من تجار يهود كان يلابسهم و يبايعهم- فقتله، و كان أخوه حويصة بن مسعود أسن منه و لم يسلم بعد، فلما قتله جعل حويصة يضربه و يقول: أي عدوّ اللَّه أ قتلته؟ أما و اللَّه لرب شحم في بطنك من ماله. قال محيصة: فقلت و اللَّه لقد أمرنى بقتله من لو أمرنى بقتلك لضربت عنقك، قال فو اللَّه إن كان لأول إسلام حويصة و قال و اللَّه لو أمرك محمد بقتلى لتقتلني؟ قال: نعم، و اللَّه لو أمرنى بضرب عنقك لضربتها. قال: فو اللَّه ان دينا بلغ بك هذا لعجب، فأسلم حويصة. قال ابن إسحاق: حدثني بهذا الحديث مولى لبني