البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥١ - ذكر خروج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بأصحابه على ملهم من القرح و الجراح في أثر أبى سفيان إرهابا له و لأصحابه حتى بلغ حمراء الأسد و هي على ثمانية أميال من المدينة
القرح و اشتكوا ذلك الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و اشتد عليهم الّذي أصابهم و إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ندب الناس لينطلقوا بهم و يتبعوا ما كانوا متبعين و قال لنا ترتحلون الآن فتأتون الحج و لا يقدرون على مثلها حتى عام قابل فجاء الشيطان يخوف أولياءه فقال ان الناس قد جمعوا لكم فأبى عليه الناس أن يتبعوه فقال أنى ذاهب و إن لم يتبعني أحد فانتدب معه أبو بكر و عمر و عثمان و على و طلحة و الزبير و سعد و عبد الرحمن بن عوف و أبو عبيدة و ابن مسعود و حذيفة في سبعين رجلا فساروا في طلب أبى سفيان حتى بلغوا الصفراء فأنزل اللَّه الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ
و هذا غريب أيضا و
قال ابن هشام:
حدّثنا أبو عبيدة أن أبا سفيان بن حرب لما انصرف يوم أحد أراد الرجوع الى المدينة فقال لهم صفوان بن أمية لا تفعلوا فان القوم قد حربوا و قد خشينا أن يكون لهم قتال غير الّذي كان فارجعوا فرجعوا فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو بحمراء الأسد حين بلغه أنهم هموا بالرجعة «و الّذي نفسي بيده لقد سوّمت لهم حجارة لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب» قال: و أخذ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في وجهه ذلك قبل رجوعه المدينة معاوية بن المغيرة بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس جد عبد الملك بن مروان لامه عائشة بنت معاوية و أبا عزّة الجمحيّ و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد أسره ببدر ثم منّ عليه فقال يا رسول اللَّه أقلنى، فقال: لا و اللَّه لا تمسح عارضيك بمكة تقول خدعت محمدا مرتين، اضرب عنقه يا زبير، فضرب عنقه.
قال ابن هشام: و بلغني عن ابن المسيب أنه قال:
قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «ان المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، اضرب عنقه يا عاصم بن ثابت، فضرب عنقه»
و ذكر ابن هشام أن معاوية بن المغيرة بن أبى العاص استأمن له عثمان على أن لا يقيم بعد ثلاث فبعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعدها زيد بن حارثة و عمار بن ياسر و قال: ستجدانه في مكان كذا و كذا فاقتلاه ففعلا رضى اللَّه عنهما. قال ابن إسحاق: و لما رجع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى المدينة كان عبد اللَّه بن أبىّ كما حدثني الزهري له مقام يقومه كل جمعة لا ينكر له شرفا في نفسه و في قومه و كان فيهم شريفا إذا جلس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم الجمعة و هو يخطب الناس قام فقال: أيها الناس، هذا رسول اللَّه بين أظهركم أكرمكم اللَّه به و أعزكم به فانصروه و عززوه و اسمعوا له و أطيعوا. ثم يجلس حتى إذا صنع يوم أحد ما صنع و رجع الناس قام يفعل ذلك كما كان يفعله فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه و قالوا اجلس أي عدو اللَّه و اللَّه لست لذلك بأهل و قد صنعت ما صنعت فخرج يتخطّى رقاب الناس و هو يقول و اللَّه لكأنما قلت بجرا أن قمت أشدد أمره. فلقيه رجال من الأنصار بباب المسجد فقالوا: ويلك مالك؟ قال: قمت أشدد أمره فوثب الى رجال من أصحابه يجبذوننى و يعنفوننى لكأنما قلت بجرا أن قمت أشدد أمره. قالوا ويلك ارجع يستغفر لك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). قال: و اللَّه ما أبغى