البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٩ - ذكر خروج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بأصحابه على ملهم من القرح و الجراح في أثر أبى سفيان إرهابا له و لأصحابه حتى بلغ حمراء الأسد و هي على ثمانية أميال من المدينة
تبتروهم فقد بقي منهم رءوس يجمعون لكم، فأمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)- و بهم أشد القرح- بطلب العدوّ ليسمعوا بذلك و قال: لا ينطلقنّ معى إلا من شهد القتال. فقال عبد اللَّه بن أبىّ: أنا راكب معك. فقال لا، فاستجابوا للَّه و لرسوله على الّذي بهم من البلاء فانطلقوا. فقال اللَّه في كتابه:
الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ قال و أذن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لجابر حين ذكر أن أباه أمره بالمقام في المدينة على أخواته، قال و طلب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) العدو حتى بلغ حمراء الأسد. و هكذا روى ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة ابن الزبير سواء. و قال محمد بن إسحاق في مغازيه: و كان يوم أحد يوم السبت النصف من شوال فلما كان الغد من يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال أذّن مؤذن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الناس بطلب العدوّ و أذّن مؤذنه ألّا يخرجنّ أحد إلا من حضر يومنا بالأمس، فكلمه جابر بن عبد اللَّه فأذن له. قال ابن إسحاق: و إنما خرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مرهبا للعدوّ ليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوة و أن الّذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوّهم. قال ابن إسحاق (رحمه اللَّه):
فحدثني عبد اللَّه بن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبى السائب مولى عائشة بنت عثمان أن رجلا من بنى عبد الأشهل قال: شهدت أحدا أنا و أخ لي فرجعنا جريحين، فلما أذّن مؤذن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالخروج في طلب العدو قلت لأخى و قال لي: أ تفوتنا غزوة مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ و اللَّه ما لنا من دابة نركبها و ما منّا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و كنت أيسر جرحا منه، فكان إذا غلب حملته عقبة و مشى عقبة حتى انتهينا الى ما انتهى اليه المسلمون. قال ابن إسحاق: فخرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى انتهى الى حمراء الأسد و هي من المدينة على ثمانية أميال فأقام بها الاثنين و الثلاثاء و الأربعاء ثم رجع الى المدينة. قال ابن هشام: و قد كان استعمل على المدينة ابن أم مكتوم.
قال ابن إسحاق: حدثني عبد اللَّه بن أبى بكر معبد بن أبى معبد الخزاعي و كانت خزاعة مسلمهم و كافرهم عيبة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئا كان بها، و معبد يومئذ مشرك مرّ برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو مقيم بحمراء الأسد فقال: يا محمد أما و اللَّه لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك و لوددنا أن اللَّه عافاك فيهم، ثم خرج من عند رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بحمراء الأسد حتى لقي أبا سفيان ابن حرب و من معه بالروحاء و قد أجمعوا الرجعة الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أصحابه و قالوا: أصبنا حد أصحابه و قادتهم و أشرافهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم لنكرّن على بقيتهم فلنفرغن منهم. فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم و ندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط. قال ويلك ما تقول؟ قال: و اللَّه ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل. قال فو اللَّه لقد أجمعنا الكرّة عليهم لنستأصل شأفتهم، قال فانى أنهاك عن ذلك، و اللَّه لقد