البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٤ - ذكر سياق البخاري لعمرة الحديبيّة
حتى نزحوه، و شكى الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) العطش فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه فو اللَّه ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن وقاء الخراعى في نفر من قومه من خزاعة- و كانوا عيبة نصح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من أهل تهامة- فقال: إني تركت كعب ابن لؤيّ و عامر بن لؤيّ نزلوا اعداد مياه الحديبيّة معهم العوذ المطافيل و هم مقاتلوك و صادّوك عن البيت. فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) انا لم نجيء لقتال أحد و لكن جئنا معتمرين و ان قريشا قد نهكتهم الحرب و أضرت بهم فان شاءوا ماددتهم مدة و يخلوا بيني و بين الناس، فان أظهر فان شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا و الا فقد جموا، و ان هم أبوا فو الّذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمرى هذا حتى تنفرد سالفتي و لينفذن أمر اللَّه. قال بديل: سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشا فقال: انا قد جئناكم من عند هذا الرجل و سمعناه يقول قولا فان شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا. فقال سفهاؤهم لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء. و قال ذوو الرأى منهم: هات ما سمعته يقول. قال: سمعته يقول كذا و كذا، فحدثهم بما قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم، أ لست بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: أ و لستم بالولد؟ قالوا بلى. قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا. قال: أ لستم تعلمون انى استنفرت أهل عكاظ فلما بلّحوا عليّ جئتكم بأهلى و ولدى و من أطاعنى؟ قالوا: بلى. قال:
فان هذا قد عرض لكم خطة رشد اقبلوها و دعوني آتيه، فقالوا: ائته، فأتاه، فجعل يكلم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نحوا من قوله لبديل، فقال عروة عند ذلك. أي محمد أ رأيت ان استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ و ان تكن الأخرى فانى و اللَّه لا أرى وجوها و انى لأرى أشوابا من الناس خليقا أن يفرّوا و يدعوك. فقال له أبو بكر: امصص بظر اللات، أ نحن نفرّ عنه و ندعه؟ قال من ذا؟ قالوا أبو بكر. قال أما و الّذي نفسي بيده لو لا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك قال و جعل يكلم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فكلما تكلم أخذ بلحيته و المغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و معه السيف و عليه المغفر فكلما أهوى عروة بيده الى لحية رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ضرب يده بنعل السيف و قال له: أخر يدك عن لحية رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). فرفع عروة رأسه فقال: من هذا قالوا المغيرة بن شعبة. فقال أي غدر أ لست أسعى في غدرتك؟ و كان المغيرة بن شعبة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم و أخذ أموالهم ثم جاء فأسلم فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): أما الإسلام فأقبل و أما المال فلست منه في شيء. ثم ان عروة جعل يرمق أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعينيه قال فو اللَّه ما تنخم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه و جلده و إذا أمرهم ابتدروا أمره و إذا توضأ كادوا يقتلون على وضوئه و إذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده و ما يحدّون اليه النظر تعظيما له. فرجع عروة الى أصحابه فقال: أي قوم و اللَّه لقد وفدت على الملوك، وفدت على قيصر