البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٨ - غزوة الفتح الأعظم و كانت في رمضان سنة ثمان
بسم اللَّه الرحمن الرحيم و صلّى اللَّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم.
غزوة الفتح الأعظم و كانت في رمضان سنة ثمان
و قد ذكرها اللَّه تعالى في القرآن في غير موضع فقال تعالى لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَ قاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَ قاتَلُوا وَ كُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى الآية.
و قال تعالى إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ وَ رَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ اسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً.
و كان سبب الفتح بعد هدنة الحديبيّة ما ذكره محمد بن إسحاق حدثني الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة و مروان بن الحكم انهما حدثاه جميعا قالا: كان في صلح الحديبيّة أنه من شاء أن يدخل في عقد محمد و عهده دخل، و من شاء أن يدخل في عقد قريش و عهدهم [فتواثبت خزاعة و قالوا نحن ندخل في عقد محمد و عهده، و تواثبت بنو بكر و قالوا نحن ندخل في عقد قريش و عهدهم] فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة أو الثمانية عشر شهرا ثم إن بنى بكر وثبوا على خزاعة ليلا بماء يقال له الوتير و هو قريب من مكة، و قالت قريش ما يعلم بنا محمد و هذا الليل و ما يرانا من أحد، فأعانوهم عليهم بالكراع و السلاح و قاتلوهم معهم للضغن على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و
أن عمرو بن سالم ركب عند ما كان من أمر خزاعة و بنى بكر بالوتير حتى قدم على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يخبر الخبر و قد قال أبيات شعر، فلما قدم على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنشدها إياه:
يا رب إني ناشد محمدا* * * حلف أبيه و أبينا الأتلدا
قد كنتموا ولدا وكنا والدا* * * ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا
فانصر رسول اللَّه نصرا أبدا* * * و ادع عباد اللَّه يأتوا مددا
فيهم رسول اللَّه قد تجردا* * * إن سيم خسفا وجهه تربدا
في فيلق كالبحر يجرى مزبدا* * * إن قريشا أخلفوك الموعدا
و نقضوا ميثاقك المؤكدا* * * و جعلوا لي في كداء رصدا
و زعموا أن لست أدعو أحدا* * * فهم أذل و أقل عددا
هم بيتونا بالوتير هجدا* * * و قتلونا ركعا و سجدا
فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «نصرت يا عمرو بن سالم» فما برح حتى مرت بنا عنانة في السماء فقال