البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٠ - فصل في غزوة بنى قريظة
من ناحية أموالهم يقال لها بئر انى فحاصرهم خمسا و عشرين ليلة حتى جهدهم الحصار و قذف في قلوبهم الرعب و قد كان حيي بن أخطب دخل معهم حصنهم حين رجعت عنهم قريش و غطفان وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه فلما أيقنوا أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) غير منصرف عنهم حتى يناجزهم قال كعب بن أسد: يا معشر يهود قد نزل بكم من الأمر ما ترون و انى عارض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا بما شئتم منها. قالوا و ما هن؟ قال: نتابع هذا الرجل و نصدقه فو اللَّه لقد تبين لكم أنه لنبي مرسل و أنه للذي تجدونه في كتابكم فتأمنون به على دمائكم و أموالكم و أبنائكم و نسائكم. قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا و لا نستبدل به غيره. قال فإذا أبيتم عليّ هذه فهلم فلنقتل أبناءنا و نساءنا ثم نخرج الى محمد و أصحابه رجالا مصلتين بالسيوف لم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم اللَّه بيننا و بين محمد فان نهلك نهلك و لم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه و ان نظهر فلعمري لنجدن النساء و الأبناء. قالوا: أ نقتل هؤلاء المساكين؟ فما خير العيش بعدهم؟ قال: فان أبيتم عليّ هذه فالليلة ليلة السبت و انه عسى أن يكون محمد و أصحابه قد آمنونا فيها فانزلوا لعلنا نصيب من محمد و أصحابه غرة. قالوا أ نفسد سبتنا و نحدث فيه ما لم يحدث فيه من كان قبلنا إلا من قد علمت فأصابه ما لم يخف عنك من المسخ فقال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة من الدهر حازما. ثم انهم بعثوا الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بنى عمرو بن عوف و كانوا حلفاء الأوس نستشيره في أمرنا. فأرسله رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فلما رأوه قام اليه الرجال و جهش اليه النساء و الصبيان يبكون في وجهه فرقّ لهم و قالوا يا أبا لبابة أ ترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم. و أشار بيده الى حلقه أنه الذبح قال أبو لبابة: فو اللَّه ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أنى قد خنت اللَّه و رسوله.
ثم انطلق أبو لبابة على وجهه و لم يأت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى ارتبط في المسجد الى عمود من عمده و قال: لا أبرح مكاني حتى يتوب اللَّه على مما صنعت. و عاهد اللَّه أن لا أطأ بنى قريظة أبدا و لا أرى في بلد خنت اللَّه و رسوله فيه أبدا. قال ابن هشام و أنزل اللَّه فيما قال سفيان بن عيينة عن إسماعيل ابن أبى خالد عن عبد اللَّه بن أبى قتادة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَ الرَّسُولَ وَ تَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. قال ابن هشام: أقام مرتبطا ست ليال تأتيه امرأته في وقت كل صلاة فتحله حتى يتوضأ و يصلى ثم يرتبط حتى نزلت توبته في قوله تعالى وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. و قول موسى بن عقبة انه مكث عشرين ليلة مرتبطا به و اللَّه أعلم. و ذكر ابن إسحاق أن اللَّه أنزل توبته على رسوله من آخر الليل و هو في بيت أم سلمة فجعل يبتسم فسألته أم سلمة فأخبرها بتوبة اللَّه على أبى لبابة فاستأذنته أن تبشره فاذن لها فخرجت فبشرته فثار الناس اليه يبشرونه و أرادوا أن يحلوه من