البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢١ - فصل في غزوة بنى قريظة
رباطه فقال و اللَّه لا يحلني منه إلا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فلما خرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى صلاة الفجر حله من رباطه رضى اللَّه عنه و أرضاه. قال ابن إسحاق ثم ان ثعلبة بن سعية و أسيد بن سعية و أسد بن عبيد و هم نفر من بنى هدل ليسوا من بنى قريظة و لا النضير نسبهم فوق ذلك هم بنو عم القوم أسلموا في تلك الليلة التي نزلت فيها قريظة على حكم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و خرج في تلك الليلة عمرو بن سعدى القرظي فمر بحرس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و عليهم محمد بن مسلمة تلك الليلة فلما رآه قال من هذا؟ قال أنا عمرو ابن سعدى- و كان عمرو قد أبى أن يدخل مع بنى قريظة في غدرهم برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قال لا أغدر بمحمد أبدا-
فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللَّهمّ لا تحرمني اقالة عثرات الكرام، ثم خلى سبيله فخرج على وجهه حتى بات في مسجد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالمدينة تلك الليلة ثم ذهب لم يدر أين توجه من الأرض الى يومه هذا فذكر شأنه لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: ذاك رجل نجاه اللَّه بوفائه.
قال و بعض الناس يزعم أنه كان أوثق برمة فيمن أوثق من بنى قريظة فأصبحت رمته ملقاة و لم يدر أين ذهب فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فيه تلك المقالة و اللَّه أعلم أي ذلك كان. قال ابن إسحاق فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فتواثبت الأوس فقالوا: يا رسول اللَّه انهم كانوا موالينا دون الخزرج و قد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمت يعنون عفوه عن بنى قينقاع حين سأله فيهم عبد اللَّه ابن أبىّ كما تقدم.
قال ابن إسحاق فلما كلمته الأوس قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): يا معشر الأوس ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا بلى. قال فذلك الى سعد بن معاذ
و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة من أسلم يقال لها رفيدة في مسجده و كانت تداوى الجرحى فلما حكمه في بنى قريظة أتاه قومه فحملوه على حمار قد وطئوا له بوسادة من أدم و كان رجلا جسيما جميلا ثم أقبلوا معه الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هم يقولون يا أبا عمرو أحسن في مواليك فان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) انما ولاك ذلك لتحسن فيهم. فلما أكثروا عليه قال: قد آن لسعد أن لا تأخذه في اللَّه لومة لائم.
فرجع بعض من كان معه من قومه الى دار بنى عبد الأشهل فنعى لهم رجال بنى قريظة قبل أن يصل اليهم سعد عن كلمته التي سمع منه
فلما انتهى سعد الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و المسلمين قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قوموا الى سيدكم فأما المهاجرون من قريش فيقولون انما أراد الأنصار و اما الأنصار فيقولون قد عم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المسلمين فقاموا اليه فقالوا يا أبا عمرو ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم فقال سعد عليكم بذلك عهد اللَّه و ميثاقه ان الحكم فيهم لما حكمت قالوا نعم قال و على من هاهنا في الناحية التي فيها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو معرض عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إجلالا له فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نعم قال سعد فانى أحكم فيهم أن يقتل الرجال و تقسم الأموال و تسبى الذراري و النساء.
قال ابن إسحاق فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن معاذ عن علقمة بن وقاص