البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٣ - فصل في غزوة بنى قريظة
ليس أحد أحب الىّ أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك و أخرجوه اللَّهمّ فأنى أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا و بينهم فان كان بقي من حرب قريش شيء فأبقنى له حتى أجاهدهم فيك و ان كنت وضعت الحرب فافجرها و اجعل موتى فيها. فانفجرت من لبته فلم يرعهم و في المسجد خيمة من بنى غفار الا الدم يسيل اليهم فقالوا يا أهل الخيمة ما هذا الّذي يأتينا من قبلكم فإذا سعد يغذو جرحه دما فمات منها. و هذا رواه مسلم من حديث عبد اللَّه بن نمير به. قلت كان دعا أولا بهذا الدعاء قبل أن يحكم في بنى قريظة و لهذا قال فيه و لا تمتنى حتى تقر عيني من بنى قريظة فاستجاب اللَّه له فلما حكم فيهم و أقر اللَّه عينه أيّ قرار دعا ثانيا بهذا الدعاء فجعلها اللَّه له شهادة رضى اللَّه عنه و أرضاه. و سيأتي ذكر وفاته قريبا ان شاء اللَّه. و قد رواه الامام أحمد من وجه آخر عن عائشة مطولا جدا و فيه فوائد
فقال حدّثنا يزيد أنبأنا محمد بن عمرو عن أبيه عن جده علقمة بن وقاص قال أخبرتنى عائشة قالت خرجت يوم الخندق أقفو الناس فسمعت وئيد الأرض ورائي فإذا أنا بسعد بن معاذ و معه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنه، قالت فجلست انى الأرض فمر سعد و عليه درع من حديد قد خرجت منها أطرافه فانا أتخوف على أطراف سعد، قالت و كان سعد من أعظم الناس و أطولهم فمر و هو يرتجز و يقول:
لبّث قليلا يدرك الهيجا جمل* * * ما أحسن الموت إذا حان الأجل
قالت: فقمت فاقتحمت حديقة فإذا نفر من المسلمين فإذا فيها عمر بن الخطاب و فيهم رجل عليه سبغة له تعنى المغفر فقال عمر: ما جاء بك و اللَّه انك لجريئة و ما يؤمنك أن يكون بلاء أو يكون تحوّز فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض فتحت ساعتئذ فدخلت فيها فرفع الرجل السبغة عن وجهه فإذا هو طلحة بن عبيد اللَّه فقال: يا عمر ويحك انك قد أكثرت منذ اليوم و أين التحوز أو الفرار الا الى اللَّه عز و جل. قالت: و يرمي سعدا رجل من قريش يقال له ابن العرقة و قال خذها و أنا ابن العرقة فأصاب أكحله فقطعه فدعا اللَّه سعد فقال: اللَّهمّ لا تمتنى حتى تقر عيني من بنى قريظة قالت و كانوا حلفاءه و مواليه في الجاهلية قالت فرقأ كلمه و بعث اللَّه الريح على المشركين و كفى اللَّه المؤمنين القتال و كان اللَّه قويا عزيزا. فلحق أبو سفيان و من معه بتهامة، و لحق عيينة بن بدر و من معه بنجد، و رجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم و رجع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى المدينة و أمر بقبة من أدم فضربت على سعد في المسجد قالت: فجاء جبريل و ان على ثناياه لنقع الغبار فقال: أ قد وضعت السلاح لا و اللَّه ما وضعت الملائكة السلاح بعد، أخرج الى بنى قريظة فقاتلهم. قالت: فلبس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لأمنه و أذّن في الناس بالرحيل أن يخرجوا فمر على بنى غنم، و هم جيران المسجد حوله فقال: من مرّ بكم؟ قالوا: مر بنا دحية الكلبي- و كان دحية الكلبي تشبه لحيته و سنه و وجهه