البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٩ - فصل في غزوة بنى قريظة
من الملائكة نزلزل بهم الحصون فاخرج بالناس، فخرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في أثر جبريل فمر على مجلس بنى غنم و هم ينتظرون رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فسألهم فقال: مرّ عليكم فارس آنفا؟ قالوا مرّ علينا دحية الكلبي على فرس أبيض تحته نمط أو قطيفة ديباج عليه الأمة، فذكروا أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: ذاك جبريل. و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يشبّه دحية الكلبي بجبريل، فقال الحقونى ببني قريظة فصلوا فيهم العصر، فقاموا و ما شاء اللَّه من المسلمين فانطلقوا الى بنى قريظة فحانت صلاة العصر و هم بالطريق فذكروا الصلاة فقال بعضهم لبعض: أ لم تعلموا أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أمركم أن تصلوا العصر في بنى قريظة. و قال آخرون: هي الصلاة، فصلى منهم قوم و أخّرت طائفة الصلاة حتى صلوها في بنى قريظة بعد أن غابت الشمس، فذكروا لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من عجل منهم الصلاة و من أخرها فذكروا أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لم يعنف واحدا من الفريقين. قال فلما رأى عليّ بن أبى طالب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مقبلا تلقاه و قال: ارجع يا رسول اللَّه فان اللَّه كافيك اليهود، و كان عليّ قد سمع منهم قولا سيئا لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أزواجه رضى اللَّه عنهن فكره أن يسمع ذلك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): لم تأمرنى بالرجوع؟ فكتمه ما سمع منهم فقال: أظنك سمعت فىّ منهم أذى فامض فان أعداء اللَّه لو رأوني لم يقولوا شيئا مما سمعت، فلما نزل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بحصنهم و كانوا في أعلاه نادى بأعلى صوته نفرا من أشرافهم حتى أسمعهم فقال: أجيبوا يا معشر يهود يا إخوة القردة قد نزل بكم خزي اللَّه عز و جل، فحاصرهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بكتائب المسلمين بضع عشرة ليلة ورد اللَّه حيي بن أخطب حتى دخل حصن بنى قريظة و قذف اللَّه في قلوبهم الرعب و اشتد عليهم الحصار فصرخوا بأبي لبابة بن عبد المنذر- و كانوا حلفاء الأنصار- فقال أبو لبابة لا آتيهم حتى يأذن لي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد أذنت لك، فأتاهم أبو لبابة فبكوا اليه و قالوا: يا أبا لبابة ما ذا ترى و ما ذا تأمرنا فإنه لا طاقة لنا بالقتال، فأشار أبو لبابة بيده الى حلقه و أمرّ عليه أصابعه، يريهم انما يراد بهم القتل. فلما انصرف أبو لبابة سقط في يده و رأى أنه قد أصابته فتنة عظيمة فقال و اللَّه لا انظر في وجه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى أحدث للَّه توبة نصوحا يعلمها اللَّه من نفسي، فرجع الى المدينة فربط يديه الى جذع من جذوع المسجد. و زعموا أنه ارتبط قريبا من عشرين ليلة، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين غاب عليه أبو لبابة: أما فرغ أبو لبابة من حلفائه، فذكر له ما فعل؟ فقال: لقد أصابته بعدي فتنة و لو جاءني لاستغفرت له و إذ قد فعل هذا فلن أحركه من مكانه حتى يقضى اللَّه فيه ما يشاء. و هكذا رواه ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة و كذا ذكره محمد بن إسحاق في مغازيه في مثل سياق موسى بن عقبة عن الزهري و مثل رواية أبى الأسود عن عروة.
قال ابن إسحاق و نزل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على بئر من آبار بنى قريظة