البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٥ - غزوة مؤتة
قد طال ما قد كنت مطمئنه* * * هل أنت إلا نطفة في شنه
و قال أيضا:
يا نفس إن لا تقتلي تموتي* * * هذا حمام الموت قد صليت
و ما تمنيت فقد أعطيت* * * إن تفعلي فعلهما هديت
يريد صاحبيه زيدا و جعفرا، ثم نزل فلما نزل أتاه ابن عم له بعرق من لحم فقال شد بهذا صلبك فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده فانتهس منه نهسة. ثم سمع الحطمة في ناحية الناس فقال و أنت في الدنيا ثم؟ ألقاه من يده ثم أخذ سيفه ثم تقدم فقاتل حتى قتل رضى اللَّه عنه.
قال ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بنى العجلان. فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم، قالوا أنت قال ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية دافع القوم و خاشى [١] بهم ثم انحازوا نحيز عنه حتى انصرف بالناس. قال ابن إسحاق. و لما أصيب القوم قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)- فيما بلغني- أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيدا، قال ثم صمت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى تغيرت وجوه الأنصار و ظنوا أنه قد كان في عبد اللَّه بن رواحة بعض ما يكرهون، ثم قال أخذها عبد اللَّه بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم قال لقد رفعوا الى الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب فرأيت في سرير عبد اللَّه ابن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه، فقلت عم هذا؟ فقيل لي مضيا و تردّد عبد اللَّه بن رواحة بعض التردد ثم مضى. هكذا ذكر ابن إسحاق هذا منقطعا، و قد قال البخاري ثنا أحمد بن واقد ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن حميد بن هلال عن انس بن مالك ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نعى زيدا و جعفرا و ابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبر، فقال أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب، و عيناه تذرفان حتى أخذ الراية سيف من سيوف اللَّه حتى فتح اللَّه عليهم. تفرد به البخاري و رواه في موضع آخر و قال فيه و هو على المنبر: و ما يسرهم أنهم عندنا و
قال البخاري ثنا أحمد بن أبى بكير ثنا مغيرة بن عبد الرحمن المخزومي و ليس بالحرامى عن عبد اللَّه بن سعيد عن نافع عن عبد اللَّه بن عمر. قال أمّر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في غزوة مؤتة زيد ابن حارثة، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ان قتل زيد فجعفر، و ان قتل جعفر فعبد اللَّه بن رواحة، قال عبد اللَّه كنت فيهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبى طالب فوجدناه في القتلى و وجدنا في جسده بضعا و تسعين من ضربة و رمية
تفرد به البخاري أيضا. و قال البخاري أيضا حدثنا احمد ثنا ابن
[١] في السهيليّ: المخاشاة المحاجزة و هي مفاعلة من الخشية لانه خشي على المسلمين لقلة عددهم.
ثم قال: و من رواه حاشى بالحاء المهملة فهو من الحشى و هي الناحية. و قيل حاشى بهم انحاز بهم.