البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٤ - غزوة مؤتة
قال ابن إسحاق: ثم مضي الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم و العرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف، ثم دنا العدو و انحاز المسلمون الى قرية يقال لها مؤتة فالتقى الناس عندها فتعبى لهم المسلمون فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بنى عذرة يقال له قطبة بن قتادة و على ميسرتهم رجلا من الأنصار يقال له عباية بن مالك. و قال الواقدي: حدثني ربيعة بن عثمان عن المقبري عن أبى هريرة قال: شهدت مؤتة فلما دنا منا المشركون رأينا مالا قبل لأحد به من العدة و السلاح و الكراع و الديباج و الحرير و الذهب، فبرق بصرى، فقال لي ثابت بن أرقم: يا أبا هريرة كأنك ترى جموعا كثيرة؟ قلت نعم! قال إنك لم تشهد بدرا معنا، إنا لم ننصر بالكثرة رواه البيهقي. قال ابن إسحاق ثم التقى الناس فاقتتلوا فقاتل زيد بن حارثة براية رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى شاط في رماح القوم، ثم أخذها جعفر فقاتل القوم حتى قتل، فكان جعفر أول المسلمين عقر في الإسلام. و قال ابن إسحاق: و حدثني يحيى بن عباد بن عبد اللَّه بن الزبير عن أبيه عباد حدثني أبى الّذي ارضعنى و كان أحد بنى مرة بن عوف و كان في تلك الغزوة غزوة مؤتة قال: و اللَّه لكأنّي انظر الى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء ثم عقرها ثم قاتل القوم حتى قتل و هو يقول:
يا حبذا الجنة و اقترابها* * * طيبة و باردا شرابها
و الروم روم قد دنا عذابها* * * كافرة بعيدة أنسابها
عليّ إن لاقيتها ضرابها
و هذا الحديث قد رواه أبو داود من حديث أبى إسحاق و لم يذكر الشعر، و قد استدل من جواز قتل الحيوان خشية أن ينتفع به العدو كما يقول أبو حنيفة في الأغنام إذا لم تتبع في السير و يخشى من لحوق العدو و انتفاعهم بها أنها تذبح و تحرق ليحال بينهم و بين ذلك و اللَّه أعلم. قال السهيليّ و لم ينكر أحد على جعفر، فدل على جوازه إلا إذا أمن أخذ العدو له و لا يدخل ذلك في النهى عن قتل الحيوان عبثا.
قال ابن هشام: و حدثني من أثق به من أهل العلم أن جعفر أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل و هو ابن ثلاث و ثلاثين سنة فأثابه اللَّه بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث يشاء، و يقال: إن رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه بنصفين. قال ابن إسحاق و حدثني يحيى بن عباد بن عبد اللَّه بن الزبير عن أبيه عباد قال حدثني أبى الّذي ارضعنى و كان أحد بنى مرة بن عوف قال: فلما قتل جعفر أخذ عبد اللَّه بن رواحة الراية ثم تقدم بها و هو على فرسه فجعل يستنزل نفسه و يتردد بعض التردد و يقول:
أقسمت يا نفس لتنزلنه* * * لتنزلن أو لتكرهنه
إن أجلب الناس و شدوا الرنة* * * ما لي أراك تكرهين الجنة