البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٧ - وفاة سعد بن معاذ رضى اللَّه عنه
و ذلك حين نقضوا ما كان بينهم و بين رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من العهود و المواثيق و الذمام و مالوا عليه مع الأحزاب، فلما ذهب الأحزاب و انقشعوا عن المدينة و باءت بنو قريظة بسواد الوجه و الصفقة الخاسرة في الدنيا و الآخرة و سار اليهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليحاصرهم كما تقدم فلما ضيق عليهم و أخذهم من كل جانب أنابوا أن ينزلوا على حكم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فيحكم فيهم بما أراه اللَّه فرد الحكم فيهم الى رئيس الأوس و كانوا حلفاءهم في الجاهلية و هو سعد بن معاذ فرضوا بذلك و يقال بل نزلوا ابتداء على حكم سعد لما يرجون من حنوه عليهم و إحسانه و ميله اليهم و لم يعلموا بأنهم أبغض اليه من أعدادهم من القردة و الخنازير لشدة إيمانه و صديقيّته رضى اللَّه عنه و أرضاه، فبعث اليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و كان في خيمة في المسجد النبوي فجيء به على حمار تحته اكاف قد وطئ تحته لمرضه و لما قارب خيمة الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أمر (عليه السلام) من هناك بالقيام له قيل لينزل من شدة مرضه، و قيل توقيرا له بحضرة المحكوم عليهم ليكون أبلغ في نفوذ حكمه و اللَّه أعلم، فلما حكم فيهم بالقتل و السبي و أقرّ اللَّه عينه و شفى صدره منهم و عاد الى خيمته من المسجد النبوي صحبة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دعا اللَّه عز و جل أن تكون له شهادة و اختار اللَّه له ما عنده فانفجر جرحه من الليل فلم يزل يخرج منه الدم حتى مات رضى اللَّه عنه. قال ابن إسحاق: فلما انقضى شأن بنى قريظة انفجر بسعد بن معاذ جرحه فمات منه شهيدا. حدثني معاذ بن رفاعة الزرقيّ قال حدثني من شئت من رجال قومي: أن جبريل أتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين قبض سعد بن معاذ من جوف الليل معتجرا بعمامة من استبرق فقال: يا محمد من هذا الميت الّذي فتحت له أبواب السماء و اهتز له العرش؟ قال فقام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سريعا يجر ثوبه الى سعد فوجده قد مات رضى اللَّه عنه، هكذا ذكره ابن إسحاق (رحمه اللَّه). و قد
قال الحافظ البيهقي في الدلائل: حدثنا أبو عبد اللَّه الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم حدثنا أبى و شعيب بن الليث قالا: حدثنا الليث بن سعد عن يزيد بن الهاد عن معاذ بن رفاعة عن جابر بن عبد اللَّه قال: جاء جبريل الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: من هذا العبد الصالح الّذي مات فتحت له أبواب السماء و تحرك له العرش؟ قال فخرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فإذا سعد بن معاذ، قال فجلس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على قبره و هو يدفن، فبينما هو جالس إذ قال «سبحان اللَّه» مرتين، فسبح القوم، ثم قال «اللَّه أكبر اللَّه أكبر» فكبر القوم، ثم قال رسول اللَّه: (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «عجبت لهذا العبد الصالح شدد عليه في قبره حتى كان هذا حين فرج له»
و روى الامام احمد و النسائي من طريق يزيد بن عبد اللَّه بن أسامة بن الهاد و يحيى بن سعيد عن معاذ بن رفاعة عن جابر قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لسعد يوم مات و هو يدفن: سبحان اللَّه لهذا