البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٥ - السرية التي قتل فيها محلم بن جثامة عامر بن الأضبط
عامر هل لكم أن تأخذوا منا الآن خمسين بعيرا و خمسين إذا رجعنا الى المدينة؟» فقال عيينة بن بدر: و اللَّه لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحزن مثل ما أذاق نسائي، فقال رجل من بنى ليث يقال له ابن مكيتل و هو قصير من الرجال فقال: يا رسول اللَّه ما أجد لهذا القتيل شبها في غرة الإسلام إلا كغنم وردت فشربت [١] أولاها فنفرت أخراها استن اليوم و غير غدا، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «هل لكم أن تأخذوا خمسين بعيرا الآن و خمسين إذا رجعنا إلى المدينة؟» فلم يزل بهم حتى رضوا بالدية، فقال قوم محلم بن جثامة ايتوا به حتى يستغفر له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال فجاء رجل طوال ضرب اللحم في حلة قد تهيأ فيها للقتل فقام بين يدي النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «اللَّهمّ لا تغفر لمحلم» قالها ثلاثا، فقام و إنه ليتلقى دموعه بطرف ثوبه.
قال محمد بن إسحاق: زعم قومه أنه استغفر له بعد ذلك. و هكذا رواه أبو داود من طريق حماد ابن سلمة عن ابن إسحاق، و رواه ابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة عن أبى خالد الأحمر عن ابن إسحاق عن محمد بن جعفر عن زيد بن ضميرة عن أبيه و عمه فذكر بعضه، و الصواب كما رواه ابن إسحاق عن محمد بن جعفر عن زياد بن سعد بن ضميرة [٢] عن أبيه و عن جده و هكذا رواه أبو داود من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن أبى الزناد و عن عبد الرحمن بن الحارث عن محمد بن جعفر عن زياد بن سعد بن ضميرة عن أبيه و جده بنحوه كما تقدم.
و قال ابن إسحاق: حدثني سالم أبو النضر أنه قال لم يقبلوا الدية حتى قام الأقرع بن حابس فخلا بهم و قال يا معشر قيس سألكم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قتيلا تتركونه ليصلح به بين الناس فمنعتموه إياه أ فأمنتم أن يغضب عليكم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فيغضب اللَّه لغضبه و يلعنكم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فيلعنكم اللَّه بلعنته لكم، لتسلمنه إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أو لآتين بخمسين من بنى تميم كلهم يشهدون أن القتيل كافر ما صلّى قط فلا يطلبن دمه، فلما قال ذلك لهم أخذوا الدية. و هذا منقطع معضل و قد
روى ابن إسحاق عمن لا يتهم عن الحسن البصري أن محلما لما مجلس بين يديه عليه الصلاة و السلام قال له «أمنته ثم قتلته؟» ثم دعا عليه، قال الحسن فو اللَّه ما مكث محلم الا سبعا حتى مات فلفظته الأرض ثم دفنوه فلفظته الأرض ثم دفنوه فلفظته الأرض، فرضموا عليه من الحجارة حتى واروه فبلغ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال ان الأرض لتطابق على من هو شر منه و لكن اللَّه أراد أن يعظكم في حرم ما بينكم لما أراكم منه»
و قال ابن جرير ثنا وكيع ثنا جرير عن ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال: بعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) محلم بن جثامة مبعثا فلقيهم عامر بن الأضبط فحياهم بتحية الإسلام- و كانت بينهم هنة في الجاهلية- فرماه محلم بسهم فقتله فجاء الخبر إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فتكلم فيه عيينة و الأقرع فقال الأقرع: يا رسول
[١] في ابن هشام: فرميت
[٢] كذا في الأصل و الخلاصة و في ابن هشام: زياد بن ضميرة بن سعد.