البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٩ - طريق إسلام خالد بن الوليد
و تعرضت له فصلّى بأصحابه الظهر أمامنا فهممنا أن نغير عليهم ثم لم يعزم لنا- و كانت فيه خيرة- فاطلع على ما في أنفسنا من الهم به فصلّى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف، فوقع ذلك منا موقعا و قلت الرجل ممنوع فاعتزلنا، و عدل عن سير خيلنا و أخذ ذات اليمين، فلما صالح قريشا بالحديبية و دافعته قريش بالرواح قلت في نفسي أي شيء بقي؟ أين أذهب الى النجاشي! فقد اتبع محمد و أصحابه عنده آمنون، فاخرج الى هرقل فأخرج من ديني الى نصرانية أو يهودية، فأقيم في عجم، فأقيم في داري بمن بقي فانا في ذلك إذ دخل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مكة في عمرة القضية فتغيبت و لم أشهد دخوله، و كان أخى الوليد بن الوليد قد دخل مع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في عمرة القضية، فطلبني فلم يجدني فكتب الى كتابا فإذا فيه: بسم اللَّه الرحمن الرحيم أما بعد، فانى لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام و عقلك عقلك! و مثل الإسلام جهله أحد؟ و قد سألني رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عنك و قال أين خالد؟ فقلت يأتى اللَّه به، فقال «مثله جهل الإسلام؟ و لو كان جعل نكايته و جده مع المسلمين كان خيرا له، و لقدمناه على غيره» فاستدرك يا أخى ما قد فاتك [من] مواطن صالحة. قال فلما جاءني كتابه نشطت للخروج و زادني رغبة في الإسلام و سرني سؤال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عنى، و أرى في النوم كأنى في بلاد ضيقة مجدبة فخرجت في بلاد خضراء واسعة فقلت إن هذه لرؤيا، فلما أن قدمت المدينة قلت لأذكرنها لأبي بكر، فقال مخرجك الّذي هداك اللَّه للإسلام، و الضيق الّذي كنت فيه من الشرك، قال فلما أجمعت الخروج الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قلت من أصاحب الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ فلقيت صفوان بن أمية فقلت يا أبا وهب أما ترى ما نحن فيه إنما نحن كاضراس و قد ظهر محمد على العرب و العجم، فلو قدمنا على محمد و اتبعناه فان شرف محمد لنا شرف؟ فأبى أشد الاباء فقال: لو لم يبق غيري ما اتبعته أبدا. فافترقنا و قلت هذا رجل قتل أخوه و أبوه ببدر، فلقيت عكرمة بن أبى جهل فقلت له مثل ما قلت لصفوان بن أمية فقال لي مثل ما قال صفوان بن أمية، قلت فأكتم على قال لا أذكره، فخرجت الى منزلي فأمرت براحلتى فخرجت بها الى أن لقيت عثمان بن طلحة فقلت إن هذا لي صديق فلو ذكرت له ما أرجو، ثم ذكرت من قتل من آبائه فكرهت أن أذكره، ثم قلت و ما على و أنا راحل من ساعتي فذكرت له ما صار الأمر اليه فقلت إنما نحن بمنزلة ثعلب في جحر لوصب فيه ذنوب من ماء لخرج، و قلت له نحوا مما قلت لصاحبي فأسرع الاجابة، و قلت له انى غدوت اليوم و أنا أريد أن أغدو و هذه راحلتي بفج مناخة، قال فاتعدت أنا و هو يأجج إن سبقني أقام و إن سبقته أقمت عليه، قال فادلجنا سحرا فلم يطلع الفجر حتى التقينا بيأجج، فغدونا حتى انتهينا الى الهدة فنجد عمرو بن العاص بها، قال مرحبا بالقوم فقلنا و بك، فقال إلى أين مسيركم؟ فقلنا و ما أخرجك؟ فقال و ما أخرجكم؟ قلنا الدخول في الإسلام و اتباع محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، قال و ذاك الّذي أقدمنى، فاصطحبنا جميعا حتى دخلنا المدينة فأنخنا بظهر الحرة