البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٩ - فصل في كيفية الوقعة و ما كان في أول الأمر من الفرار ثم كانت العاقبة للمتقين
فلما التقينا كانت للمسلمين جولة فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين فضربته من ورائه على حبل عاتقه بالسيف فقطعت الدرع و أقبل على فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلنى فلحقت عمر، فقلت ما بال الناس؟ فقال أمر اللَّه، و رجعوا و جلس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال «من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه» فقمت فقلت من يشهد لي، ثم جلست فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مثله، فقلت من يشهد لي، ثم جلست فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مثله، فقلت من يشهد لي ثم جلست، ثم قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مثله فقمت فقال «مالك يأبا قتادة؟» فأخبرته فقال رجل:
صدق سلبه عندي فأرضه منى، فقال أبو بكر: لاها اللَّه إذا تعمد إلى أسد من أسد اللَّه يقاتل عن اللَّه و رسوله فيعطيك سلبه؟! فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «صدق فأعطه» فأعطانيه فابتعت به مخرافا في بنى سلمة فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام. و رواه بقية الجماعة الا النسائي من حديث يحيى بن سعيد به.
قال البخاري و قال الليث بن سعد حدثني يحيى بن سعيد عن عمرو بن كثير بن أفلح عن أبى محمد مولى أبى قتادة أن أبا قتادة قال: لما كان يوم حنين نظرت إلي رجل من المسلمين يقاتل رجلا من المشركين و آخر من المشركين يختله من ورائه ليقتله، فأسرعت إلى الّذي يختله فرفع يده ليضربني فأضرب يده فقطعتها، ثم أخذنى فضمني ضما شديدا حتى تخوفت ثم ترك فتحلل فدفعته ثم قتلته، و انهزم المسلمون فانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب في الناس فقلت له ما شأن الناس؟ قال أمر اللَّه، ثم تراجع الناس إلى رسول اللَّه فقال رسول اللَّه «من أقام بينة على قتيل فله سلبه» فقمت لألتمس بينة على قتيلى فلم أر أحدا يشهد لي فجلست، ثم بدا لي فذكرت أمره لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال رجل من جلسائه: سلاح هذا القتيل الّذي يذكر عندي فأرضه منى. فقال أبو بكر: كلا لا يعطيه أضيبع من قريش و يدع أسدا من أسد اللَّه يقاتل عن اللَّه و رسوله. قال فقام رسول اللَّه فأداه إلى فاشتريت به مخرافا فكان أول مال تأثلته. و قد رواه البخاري في مواضع أخر و مسلم كلاهما عن قتيبة عن الليث بن سعد به،
و قد تقدم من رواية نافع أبى غالب عن أنس أن القائل لذلك عمر بن الخطاب فلعله قاله متابعة لأبي بكر الصديق و مساعدة و موافقة له، أو قد اشتبه على الراويّ و اللَّه أعلم. و
قال الحافظ البيهقي أنبأ الحاكم انبأ الأصم انبأ احمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني عاصم بن عمر عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه جابر بن عبد اللَّه أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال يوم حنين حين رأى من الناس ما رأى «يا عباس ناد يا معشر الأنصار يا أصحاب الشجرة» فأجابوه لبيك لبيك، فجعل الرجل يذهب ليعطف بعيره فلا يقدر على ذلك فيقذف درعه عن عنقه و يأخذ سيفه و ترسه ثم يؤم الصوت حتى اجتمع الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) منهم مائة، فاستعرض الناس فاقتلوا و كانت الدعوة أول ما كانت للأنصار، ثم جعلت آخرا للخزرج و كانوا صبرا عند الحرب، و أشرف رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في ركائبه