البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤ - غزوة أحد في شوال سنة ثلاث
و لكنا لا نرى أن يكون قتال. فلما استعصوا عليه و أبوا الا الانصراف قال: أبعدكم اللَّه أعداء اللَّه فسيغني اللَّه عنكم نبيه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). قلت: و هؤلاء القوم هم المرادون بقوله تعالى وَ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَ قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ يعنى انهم كاذبون في قولهم لو نعلم قتالا لاتبعناكم، و ذلك لأن وقوع القتال أمره ظاهر بين واضح لا خفاء و لا شك فيه و هم الذين أنزل اللَّه فيهم فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَ اللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا الآية و ذلك أن طائفة قالت نقاتلهم و قال آخرون لا نقاتلهم كما ثبت و بين في الصحيح. و
ذكر الزهري أن الأنصار استأذنوا حينئذ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الاستعانة بحلفائهم من يهود المدينة فقال لا حاجة لنا فيهم.
و ذكر عروة بن موسى بن عقبة أن بنى سلمة و بنى حارثة لما رجع عبد اللَّه بن أبىّ و أصحابه همتا ان تفشلا فثبتهما اللَّه تعالى، و لهذا قال إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَ اللَّهُ وَلِيُّهُما وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ قال جابر بن عبد اللَّه ما أحب أنها لم تنزل و اللَّه يقول وَ اللَّهُ وَلِيُّهُما كما ثبت في الصحيحين عنه.
قال ابن إسحاق و مضى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى سلك في حرة بنى حارثة فذب فرس بذنبه فأصلب كلّاب سيف فاستله فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لصاحب السيف شم سيفك أي أغمده فانى أرى السيوف ستسل اليوم. ثم قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لأصحابه: من رجل يخرج بنا على القوم من كثب (أي من قريب) من طريق لا يمر بنا عليهم فقال أبو خيثمة أخو بنى حارثة بن الحارث أنا يا رسول اللَّه فنفذ به في حرة بنى حارثة و بين أموالهم حتى سلك به في مال لمربع بن قيظى و كان رجلا منافقا ضرير البصر فلما سمع حس رسول اللَّه و من معه من المسلمين قام يحثى في وجوههم التراب و يقول ان كنت رسول اللَّه فانى لا أحل لك أن تدخل في حائطي. قال ابن إسحاق و قد ذكر لي أنه أخذ حفنة من التراب في يده ثم قال و اللَّه لو أعلم أنى لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا تقتلوه، فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر،
و قد بدر اليه سعد بن زيد أخو بنى عبد الأشهل قبل نهى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فضربه بالقوس في رأسه فشجه و مضى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي و في الجبل و جعل ظهره و عسكره الى أحد و قال لا يقاتلنّ أحد حتى آمره بالقتال و قد سرحت قريش الظهر و الكراع في زروع كانت بالصمغة من قناة كانت للمسلمين فقال رجل من الأنصار حين نهى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عن القتال أ ترعى زروع بنى قيلة و لما نضارب؟ و تعبأ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) للقتال و هو في سبعمائة رجل و أمر على الرماة يومئذ عبد اللَّه بن جبير أخا بنى عمرو بن عوف و هو معلم يومئذ بثياب بيض و الرماة خمسون رجلا فقال النضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا ان كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك