شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٥٤ - الشرح
الظلمانية.
ثم وقع السؤال انهم هل كلفوا المعرفة؟ اى هل كانوا بحيث لو تعلموا اثر فيهم السعى و التعليم و انجع لهم الارشاد و التأديب فى باب العلم و المعرفة؟ فاجاب ٧ أيضا بقوله: لا، لما علم من احوال الاكثرين ان ليس لهم درجة الارتقاء الى رتبة العلم و اليقين.
و قوله: على الله البيان، اى وجب بحسب عنايته و علمه بما هو اصلح لعباده ان يبين لهم القدر الّذي يحتاجون إليه فى سلوك سبيله اما بوحى او إلهام لمن هو من اهلها و اما بارسال رسل او انزال كتب على الذين يحتاجون إليهما و يهتدون بهما على القدر الّذي يحتاجون و يهتدون، و لذلك تتفاوت درجات الرسل : فى الفضل و الشرف و درجات الكتب فى الهدى و النور كما قال تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ[١].
و قوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها[٢]، لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها[٣]، اى تكليف الله عباده لا يكون الا بما يسعهم و لا يكون الا بحسب ما اعطاهم من القوة و الاستعداد و القدرة و الاستطاعة.
و السبب اللمى فى ذلك: ان الحق تعالى غنى مطلق لا غرض يعود إليه من الطاعات و لا ضرر ينتهى إليه من المعاصى، و لكن العناية اقتضت ايصال كل احد الى غاية ما خلق لاجلها و هى خيره و كماله و به سعادته و سلامته عن آفته و تبعيد كل احد عن اضداد تلك الغاية و هى شره و وباله و به شقاوته و عذابه فى عاقبة، كل ذلك بحسب ما يمكن فى حقه.
و معلوم ان الغرائز و الجبلات مختلفة فى نوع الانسان و النفوس متفاوتة فى الدواعى و الاستعدادات، فبحسب ما ارتكز فى غرائزهم من الدواعى و القوى و الآلات يكون حال سعادتهم و شقاوتهم و خيراتهم و شرورهم، و فائدة التكليف ليس الا ايصال المكلف الى خيره و سعادته و ابعاده و المنع عن شره و شقاوته، و قد
[١]. البقرة/ ٢٥٣.
[٢]. البقرة/ ٢٨٦.
[٣]. الطلاق/ ٧.