شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٤٤ - الشرح
و ان كان من الاشقياء الكافرين فلا يخلوا ما ان يكون من الجهال المختوم على قلوبهم الصم البكم الذين لا يعقلون، فهو كالبهائم و الانعام لا يفقه شيئا من حقائق الدين و لا له قوة الارتقاء الى عالم اليقين، و انما الغرض فى وجوده حراثة الدنيا و ما له فى الآخرة من نصيب، و انما له المشى فى مراتع الدواب و السباع الا انها مسلمة عن التكاليف الشرعية و الخطاب، و هؤلاء مكلفون بالاعمال و الطاعات البدنية و المالية و السياسات الدنياوية فيحشرون كحشرها، إِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ[١] و يبعثون كبعثها و يعذبون كعذابها و ينعمون كنعيمها.
و ان كان من اهل النفاق او من الكفار المعاندين و الضالين المكذبين بيوم الدين فيكون عذابه أليما و جزائه عظيما لانحرافه عما فطر عليه و هويّه الى الهاوية و ترديه الى منازل البعد عن الهوية الالهية، و بقدر سقوطه عن الفطرة و نزوله فى مهاوى الجحيم يكون عذابه أليما، الا ان الرحمة واسعة و الفطرة باقية و الآلام دالة على وجود قوة تقاومها و جوهر اصلى تصادمها، و التقاوم و التصادم بين المتضادين لا يكون دائميا و لا اكثريا لما مر، فلا محالة يئول الامر الى بطلان احدهما و خلاص الاخر، لكن الجوهر النفسانى من الانسان لا يقبل الفساد و لو فسد لاستراح من العذاب، قال تعالى: لا يَمُوتُ فِيها وَ لا يَحْيى[٢]، اى لا يموت موت البهائم و الحشرات و لا يحيى حياة السعداء و العقلاء.
قال صاحب الفتوحات المكية: الاستدلال على ذلك الخلاص و النجاة بقوله تعالى: أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ[٣]. و بما ورد فى الحديث النبوى من قوله ٦: و لم يبق فى لنار الا اهلها الذين هم اهلها، و ذلك لان اشد العذاب على احد مفارقة وطنه الّذي الفه، فلو فارق النار اهلها الذين هم اهلها لتعذبوا باغترابهم عما اهلوا له، و ان الله قد خلقهم على نشأة تألف ذلك الموطن.
و ذكر أيضا: فعمرت الداران و سبقت الرحمة الغضب و وسعت[٤] كل شيء و منه
[١]. التكوير/ ٥.
[٢]. الاعلى/ ١٣.
[٣]. البقرة/ ٢٥٧.
[٤]. و وسعت الرحمة كل شيء جهنم و من فيها و الله ارحم الراحمين كما قال عن نفسه، و قد وجدنا فى نفوسنا ممن جبلهم الله على الرحمة انهم يرحمون جميع عباد الله حتى لو حكمهم-- الله فى خلقه لا زالوا صفة العذاب من العالم بما تمكن حكم الرحمة من قلوبهم و صاحب هذه الصفة انا و امثالى و نحن مخلوقون اصحاب اهواء و اغراض و قد قال عن نفسه جل جلاله انه ارحم الراحمين فلا نشك انه ارحم منا بخلقه و نحن قد عرفنا من نفوسنا هذه المبالغة فى الرحمة، فكيف يسرمد عليهم العذاب و هو بهذه الصفة العامة من الرحمة، ان الله اكرم من ذلك و لا سيما و قد قام الدليل العقلى على ان البارئ ...« الفتوحات المكية- باب الخامس و ثلاث مائة فى معرفة منزل ترادف الاحوال على قلوب الرجال من الحضرة المحمدية».