شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣١٩ - الشرح
لوحظت المبادى و رتبت المقدمات، فان مبدأ الكلّ لو لم يكن قادرا على كل الممكنات و خرج كثير[١] من الاشياء عن علمه و قدرته و تأثيره و ايجاده بواسطة او بغير واسطة لم يصلح لمبدئية الكل، فالهداية و الضلالة و الايمان و الكفر و الخير و الشّر و النّفع و الضّر و سائر المتقابلات كلّها مستندة إليه منتهية الى قدرته و تأثيره و علمه و ارادته، و الآيات الناطقة بصحّة هذه القضية كقوله تعالى: فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ[٢]، وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها[٣]، قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ[٤]، كثيرة و كذا الاحاديث: اعملوا كل ميسر لما خلق له، كلّ شيء بقدر حتى العجز و الكيس.
ثم قال: فهذه القضية مطابقة للعقل و النقل و بقى الجواب عن اعتراضات المخالف، اما حكاية التنزه[٥] عن الظلم و القبائح فاقول: ان للّه صفتى لطف و قهر، و من الواجب و فى الحكمة ان يكون الملك و خصوصا[٦] ملك الملوك كذلك، اذ كل منها من اوصاف الكمال و لا يقوم احدهما مقام الاخر، و من منع ذلك كابر و عاند، و لا بدّ لكلّ من الوصفين من مظهر، فالملائكة و من ضاهاهم من الاخيار مظاهر اللطف و الشياطين و من والاهم من الاشرار مظاهر القهر، و مظاهر اللطف اهل[٧] الجنة و الاعمال المستتبعة لها و مظاهر القهر اهل النار و الافعال المعقبة اياها، و لا اعتراض عليه فى تخصيص كل من الفريقين بما خصّصوا به فانّه لو عكس الامر لكان الاعتراض بحاله. و هاهنا يظهر حقيقة السعادة و الشقاوة، فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ[٨] ... وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ[٩] ... الآية.
قال: و اذا تؤمل فيما قلت ظهران لا وجه بعد ذلك لاسناد الظلم و القبائح إليه تعالى، لان هذا الترتيب[١٠] من لوازم الوجود و الايجاد و لا سيّما عند القائل بالتحسين و التقبيح العقليين.
و اما قوله اى فائدة فى بعثة الرسل و انزال الكتب ففى غاية السخافة، لانه لما بينا انه تعالى يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد فكيف يبقى للمعترض ان يقول: لم جعل الله
[١]. شيء« غرائب القرآن».
[٢]. الانعام/ ١٤٩.
[٣]. السجدة/ ١٣.
[٤]. النساء/ ٧٨.
[٥]. التنزيه« غرائب القرآن».
[٦]. و لا سيما« غرائب القرآن».
[٧]. هم اهل« غرائب القرآن».
[٨]. هود/ ١٠٥.
[٩]. هود/ ١٠٨.
[١٠]. الترتيب و التمييز« غرائب القرآن».