شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ١٩٦ - الفصل السابع فى تأكيد ما قررناه و تأييد ما نورناه
ليست كما يظنها جمهور الناس بل علمائهم من ان لها ذوات مستقلة[١] مباينة لذات النفس بل هى مستهلكة فيها موجودة بوجودها، فادراكاتها و أفاعيلها عين ادراكات النفس و أفاعيلها، و لكن للنفس مرتبة اخرى فوق مراتب القوى النازلة عنها يتحقق بها ذاتها الوحدانية العقلية، فهكذا حال ملائكة الله و انبيائه فى افاعيلهم و طاعاتهم و تعقلاتهم و حركاتهم، و اكثر الناس ممن يصعب عليه التصديق بما ذكرناه و لا ادراكه لا فى مادة التمثيل[٢] و لا فى الممثل[٣] له على الوجه العقلى، و لكن الادلة السمعية ناهضة على ذلك فى حق الأنبياء و الاولياء : كما سبق.
و لنرجع الى لفظ الحديث فنقول: قوله ٧: ما عبد الله بشيء من البداء، اى ما عبد الله عبد بسبب شيء من وجوه الالهية و جهات الربوبية كما عبده من جهة البداء، و لعل العلة فيه: ان التعبد و الامتثال فى العمل بمثل البداء و النسخ و ما يجرى مجراهما مما لا يعرف وجه الحكمة فيه اتم و اعظم، فان الانسان ربما عجز عقله عن ادراك المصلحة فى مثل الحكم بذبح إسماعيل أولا ثم رفع ذلك الحكم ثانيا.
و اما الرواية الاخرى من قوله ٧: ما عظم الله بمثل البداء، و الفعل اما بصيغة المجهول او بتقدير فاعل مثل احد او عبد، فالمراد منه ان غاية تعظيم العبد لله ان يعرف انه لا يتحدد ذاته بتنزيه و تجريد عن الخلق كما لا يتحدد بتشبيه و تخليط به، بل له شئون فى الالهية و اطوار فى احديته لا يشغله شأن عن شأن و لا يصده عن مقام عن مقام و لا نشأة عن نشأة، و كونه على هذا الوجه من الانبساط و السعة من غير ان يقدح فى احديته و تنزيهه اعظم و اتم فى الالهية من ان يكون مقيدا محدودا بالمباينة عن ما سواه، و لكن معرفة ذلك صعب عسر الّا على العلماء الراسخين فى العلم و لهذا قيل: انها طور وراء طور العقل.
[١]. متعلقة- م- د.
[٢]. اى النفس و قواها.
[٣]. اى الواجب و معلولاته.