شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ١٣٥ - الشرح
بالمادة، و لهذا اختير منها التوسط بين اطرافها الوجودية حيث لا يمكن التبري منها كل البراءة، فاختار و التوسط بينها التى بمنزلة الخلو عنها، و لذلك فضل الله بنى آدم و كرّم نفوسهم على نفوس الحيوانات و غيرها بان اعطاهم قوتى العلم و العمل اللتين هما جناحان لنفوسهم للطيران و العروج من هذا الدار، دار الغرور و الخروج من هذا العالم عالم الظلمات و الشرور الى عالم النور و دار السرور.
و بالجملة جوهر هذا العالم جوهر ظلمانى و كونه كون ناقص طافح[١] بالشرور و الافات، و وجوده وجود كدر مظلم مستلزم للذنوب و السيئات كما قيل: وجودك ذنب لا يقاس به ذنب.
فاصل الاستعاذة هو ما يكون من شر هذا الخلق كما فى قوله تعالى: أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ[٢]، و حقيقة الاستغفار هى طلب المغفرة لذنوب الكون فى هذا الدار و سيئات الاعمال و الآثار، سيما التى سبق وقوعها عند اوائل النشور و شدة القوى الحيوانية و رسوخها بالتوجه الى العالم الاعلى و الرجوع الى دار المأوى.
قوله: و نشهد ان لا إله الا الله و ان محمدا عبده و رسوله، لما كان المقصود الاصلى من التزكية و التوبة و الطهارة عن رذائل هذا الكون الادنى حصول التحلية و التنوير بفضائل الكون الاشرف الاعلى و اصلها الايمان بالله باعتقاد التوحيد و الايمان باليوم الاخر باعتقاد النبي الهادى إليه، و لذلك عطف هذه الجملة الى الجملة الاولى.
ثم اشار الى فائدة الرسالة و خاصية الرسول بقوله: بعثه بالحق نبيا دالا عليه و هاديا إليه، اى بعثه بعثا بالحق ليكون نبيّا، و انما كان بعثه بالحق لما فيه من استحقاق البعث و استعداد الرسالة و اقترانه بالمعجزة و الآيات و الحجج و البينات و اتصافه بشرائط الخلافة و الانذار و هى امور ثلاثة:
احدهما كمال فى القوة العقلية بان حصل له العلوم او اكثرها من غير تعلم بشرى بل بتعليم ربانى من معلم شديد القوى و بقوة التحدس، و انت ترى الناس متفاوت النفوس فى الحدس، فمنهم البليد الّذي لا يفلح ابدا فى فكره، و منهم المتحدس
[١]. اى: الممتلئ.
[٢]. الفلق/ ١ و ٢.