شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٩٣ - الشرح
فيذهب به الطاغوت ممعنا فى ذروة العدم متقلبا فى الدركات حتى يحله دار البوار، و البوار الهلاك، لا يموت فيها، لان ذلك عند فناء الدنيا و خرابها بالكلية، و اذا خربت الدنيا فتح الله عز و جل خزائن الحياة و افاض بكل النور على البرية و مسحهم به مسحة التحم بها وجودهم التحاما لا يداخلهم الفساد بعد ذلك ابدا، و لا يحى، لانه استقبل بوجهه الطاغوت و الطاغوت امر باطل زاهق، و المسحة النورية انما تأتيه من وراء ظهره و انما تأتى من قبل الوجه عباد الله الذين استقبلوا إليه[١] بوجوههم فاذا صل[٢] دار البوار اشتعل فيه النار و احاط به سرادقها، لان نار النيران قد خلقها عز و جل و اسكنها دار البوار و هى: نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ[٣]، فقد علمت ان الهوى و الطاغوت يعدمان من كان تولاهما فيورد انه دار البوار.
فان قلت: اذا عدم عابد الهوى و الطاغوت فيستريح عند ذلك فلا يكون حينئذ عذاب أليم؟
قلنا: ان جوهر نفس الانسانى غير قابل للعدم للقواطع الدالة عليه، الا ان كل نفس تصير عين ما تهواه و تستغرق فيه، الا ترى النفس لاستغراقها فى البدن تصير كأنها عينه و بحيث كلّما ورد عليه من سوء المزاج و تفرق الاتصال فقد ورد عليها فيتألم بآلامه و يلتذ بلذاته الحسية و تتعذب بعذابه و تجد مرارة الموت عند موته.
فكذلك فى النشأة الآخرة يدرك البوار و الهلاك لنفسها لفقدها الامور الوهميّة كانت تحبّها و تعبدها و تتولاها، و اىّ الم و عذاب اشدّ عن عذاب من: يَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَ ما هُوَ بِمَيِّتٍ؟[٤]
فاعلم يا حبيبى هذه المعانى الغامضة و العلوم الحقيقية و الاسرار التى لم يسمح بمثلها الاعصار و الادوار و لم يودع فى شيء من كتب الحكماء و اهل الأنظار، و اياك و متابعة اهل البدع و الاهواء و الركون الى زخارف هذه الدنيا، و من انذر فقد اعذر، جعلك الله و اياى من عباده الصالحين الذين يتولاهم برحمته يوم الدين.
[١]. الله- م- د.
[٢]. احل- م- د.
[٣]. الهمزة/ ٦ و ٧.
[٤]. ابراهيم/ ١٧.