شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٧٤ - الشرح
يقتضيه ذات الشيء، و التولى الّذي كلامنا فيه هو الاستدعاء الذاتى الاولى و السؤال الوجودى الفطرى الّذي يسأله الذات المطيعة السامعة لقول الله «كن» الداخلة امتثالا له فى الوجود.
و قوله: كن، ليس امر قسر و قهر لان الله غنى عن العالمين و لا حاجة الى وجودهم ليجبرهم عليه، بل امر اذن، لانه مسبوق بسؤال الوجود، فكأنه قال لربه: ائذن لى ان ادخل فى عالمك و هو الوجود فقال الله له: كن، اى ادخل حضرتى فقد اذنت لك، كما حكى الله عن عيسى ٧: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ[١]، فلو لا سبق السؤال عن الطائران يكون لم يسم ذلك اذنا. اتاك الله حبيبى حسن الفهم فى كتاب الله كما قال على ٧ اذ قيل له هل عندكم كتاب قال: الا كتاب الله او فهم اعطيه رجل مسلم او ما فى هذه الصحيفة ... الحديث. و متى امر الجليل تبارك و تعالى امر قسر فذلك أيضا بضراعة منهم و رحمة منه ليذيقهم من مكنون لطف الجلال.
فان قيل: اين للمعدوم لسان يسأل به؟
فالجواب: ان ذلك بعد خلقه فى بعض مكامن الغيوب او بعد خلقه فى الظلمة، و لعلها المشار إليها بالنون، و النون الدواة، فان الدواة مجمع سواد المداد و الله اعلم باسراره، نعم! ذلك الخلق ليس عن سؤال منهم و لا بامر منه يلقيه إليهم، بل يتولى ذلك و هو يتولى الصالحين برحمة الصفة لا برحمة الفعل، و صفات الله لا تعلل. فافهم، و الله يهديك السبيل.
انتهى كلام هذا العارف المحقق[٢]، و لو لا مخافة الاطناب لبينت جميع ما ذكره بالمقدمات البرهانية على قانون البحاث الحكمية التى لا مجال للشك لاحد فيها.
و الحاصل ان اختلاف الخلائق و العباد فى السعادة و الشقاوة سواء كانت دنيوية او اخروية بحسب اختلافهم فى الغرائز و الجبلات، و الناس كما قال النبي ٦: معادن كمعادن الذهب و الفضة، فيتفاوت عقولهم و ادراكاتهم و
[١]. آل عمران/ ٤٩.
[٢]. اى: فى رسالة الهواتف.