شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٠ - الفصل الحادى عشر فى كون علمه سبحانه الذي هو ذاته محيط بالموجودات كلها على احكم صنع و اشرف نظام
الآحاد، لانه سبحانه منزّه عن التأليف و التركيب و هو فى غاية البساطة و الاحدية، لكنّه اراد به انّه سبحانه مع غاية احديته لم يخرج منه شيء من الاشياء. فهو كلّ الاشياء بمعنى انّ ذاته اصل كلّ موجود و كماله و انّما مباينة الاشياء عنه تعالى لاجل اعدامها و نقائصها. فكل ما يوجد فى غيره ففيه على وجه اشرف و اعلى، و كثرة الاشياء و اختلافاتها النوعية و العددية انما هى لاجل النقائص و القصورات، فلو فرض انّ الاشياء بلغت الى كمالاتها و غاياتها، صارت كلّها واحدة محضة، و للحق الاوّل كمال كلّ شيء و غايته، فهو بهذا المعنى كلّ الاشياء، و على هذا القياس نسبته الجزئيّة الى الاشياء كما بيّناه، لا انّها بالفعل او بالقوة اجزاء له تعالى متمايزة بعضها عن بعض.
تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
و قوله: انّ ما عداه هو الواحد و الجزء[١]، اراد بهذه الوحدة التى هى مبدأ العدد و لا شك انّها منفية عنه تعالى اذ لا ثانى له فى الحقيقة و لا مثل له، لكن وحدته وحدة اخرى مجهولة الكنه لانها عين وجوده.
و امّا قوله: بل كلّ ما عداه ليس بواحد و لا جزء أيضا الّا من الوجه الّذي يلى كليته، فهو كلام صادق، لان وحدة كل شيء نفس وجوده الخاص به، و الوجود لا يكون فى شيء الّا من وجهه الّذي عنده تعالى.
و لنرجع الى ما كنا فيه و هو كونه تعالى احاط بكل شيء علما لانه احاط بكل شيء وجودا، و قد ذكرنا فيما سبق ان علمه بالاشياء لكونه حقيقة العلم لا يجوزان يعزب عنه شيء، فلو كان بشيء دون شيء لم يكن حقيقة العلم الصرف البسيط بل مشوبا مركبا من علم و جهل كعلم ما سواه من العلماء، فان علمنا ليس علما محضا لنقصانه و قصوره عن درجة التمام و الكمال، فلو فرض انّ علمنا صار تماما لا نقص فيه لكان علما بسيطا لا كثرة فيه و مع وحدته علما بكلّ شيء لا يشذّ عنه شيء من الاشياء، فكذا علم الاوّل سبحانه يجب ان يكون واحدا بسيطا لا كثرة فيه و مع وحدته و بساطته علما بكل شيء لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة فى الارض و لا فى السّماء.
[١]. اى: قول هذا العارف.