شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ١٨ - الفصل السادس فى ان الالفاظ و العبارات قاصرة عن تأدية نعوته تعالى و ان العقول كلها عاجزة عن درك صفاته
شدة الظهور و النورية منها و قصور المدارك و العقول منا، فكلما كان منها اقوى نورا و اشد ظهورا كان اكثر غيبة و اشد استتارا، و كلما كان منا اكثر تعلقا بالجسمانيات و اشد اشتغالا و استيناسا بعالم الظلمات فهو اكثر بعادا و اوفر احتجابا عنها.
و قوله: تاهت فى ادنى ادانيها طامحات العقول فى لطيفات الامور، معناه: ان العقول التى تطمح ابصار بصائرها فى الامور اللطيفة الفكرية اذا بلغت الى ادنى ادانى الانوار الغيبية و انزل منازلها، فانها تتيه و تضطرب ذاتها فيه كما تضطرب عيون الخفافيش فى ادنى ادانى الأشعة الشمسية لضعف نور الاحداق و قوة الاشراق، و لما بيّن ٧ قصور الالفاظ عن اداء نعته و حمده و قصور العقول عن فهم وصفه و ثنائه فجعل نفس هذا القصور و العلم بتعاليه عن بلوغ اعالى العقول إليه و تعاظمه عن درك غواص الفطن فيما لديه بمنزلة المدح له و الثناء.
و هذا كما ورد ان مثل هذا الخاطر خطر لداود و كذلك لموسى ٨ فى باب الشكر فقال: يا رب كيف اشكرك و انا لا استطيع ان اشكرك الا بنعمة اخرى و شكرى لك نعمة اخرى، فاوحى الله تعالى إليه: اذا عرفت هذا فقد شكرتنى، و لذلك وصفه ٧ بقوله:
فتبارك الّذي لا يبلغه بعد الهمم، اى الهمم البعيدة و القصود العالية، و لا يناله غوص الفطن، اى الفطن الغائصة، و اكثر هذه الاضافات على هذا الوجه و اسناد الغوص الى الفطن على سبيل الاستعارة، اذ الحقيقة اسناده الى الحيوان بالنسبة الى الماء و هو مستلزم لتشبيه العلوم العقلية بالماء.
و وجه الاستعارة هاهنا: ان صفات الجلال و نعوت الكمال فى عدم تناهيها و الوصول الى حقائقها و اغوارها تشبه البحر الخضم الّذي لا يصل السابح له الى الساحل و لا ينتهى الغائص فيه الى قرار، و كان السابح لذلك البحر و الغائص فى تياره هى الفطن الثاقبة لا جرم كانت الفطنة شبيهة بالغائص فى البحر، فاسند الغوص إليها، و فى معناه الغوص فى الفكر، و يقرب منه اسناد الادراك الى بعد الهمم اذ كان الادراك حقيقة يستعمل فى لحوق جسم لجسم اخر.
ثم وجه الحسن فى اضافة بعد الهمم و غوص الفطن، و قد مر انه من باب اضافة الصفة بلفظ المصدر الى الموصوف دون ان يقال كما هو الاصل الهمم البعيدة و