شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ١٥٨ - الشرح
قوله: ان الله خلقنا فاحسن خلقنا، اراد به هذا الخلق العنصرى و حسنه اعتدال مزاجه و استواء اجزائه و تناسب اعضائه و اشكالها و هيئاتها، فان تسوية المواد و الاشباح و تعديلها على حسب شرافة الصور و الارواح، فالروح الاكمل للمزاج الاعدل.
و قوله: و صورنا و احسن صورنا، اراد بها الصورة الباطنة النفسانية و حسنها و صفائها و ذكائها و عدالتها و حسن اخلاقها و اتصافها بالملكات الفاضلة و سلامتها عن الامراض الباطنة و الرذائل النفسانية.
و قوله: و جعلنا عينه فى عباده، هذا و ما يتلوه باعتبار مرتبة الروح العقلى الّذي هو اخر المراتب الباطنية و منتهى درجة الانسانية فى الكمال، و قد سبق مرارا ان للانسان الكامل مقامات و درجات جوهرية يصل إليها فى سيرها[١] الباطنى و سلوكه الجوهرى و سفره المعنوى الى الله، فاذا بلغ الى مقام الروح الامرى المضاف الى الله فى قوله: وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي[٢]، و هو لا يكون الا للانبياء الكاملين و الاولياء الواصلين صلوات الله عليهم صار متحدا بامر الله و كلمته، و كذلك الذوات المتعددة الكاملة و النفوس المفارقة الفاضلة عند بلوغها الى هذه الدرجة العقلية تصير واحدة وحدة عقلية كلية لا وحدة عددية يقابلها الكثرة و يحصل من تكررها و انضمام امثالها الكثرة، اذا لعقلى الكلى لا ثانى له من نوعه، و عند ذلك يصير الانسان متوسطا بين الله و بين الخلائق فى الايجاد و التأثير و الخلق و التقدير و التصرف و التدبير، و حيث يكون باقيا ببقاء الله فيكون أيضا مؤثر بتأثير الله خالقا بخلق الله مكونا بتكوين الله، و لاجل ذلك صارت طاعته طاعة الله و عبادته عبادة الله كما قال تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ[٣]، و قال: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ[٤].
و روى عنه ٦: من رآنى فقد رأى الله. و فى الحديث القدسى: من اهان لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة، و هذا شأن التوسط العقلى بينه تعالى و بين خلقه فى الوجود و
[١]. كذا فى جميع النسخ و الظاهر: سيره.
[٢]. الحجر/ ٢٩.
[٣]. النساء/ ٨٠.
[٤]. الفتح/ ١٠.