شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ١٢٦ - الشرح
نهاياتها كما يقال: النقطة حد الخط و الخط حد السّطح و السطح حد الجسم، و اما ان يعنى به الحد المنطقى للشىء المركب من جنسه و فصله، و اما ان يعنى به تناهى قوته بان يكون له ما هو فوقه فى القوة و القدرة، و هذه المعانى كلها مسلوبة عنه تعالى. اما الاول فلتجرده و اما الثانى فلبساطته و اما الثالث فلوجوب وجوده و إلهيته، و قوله: و لا له مثل يعرف بمثله، اذ كل ما له مثل فهو مركب، و الله واحد احد. قوله: ذل من تجبر غيره، لامكانه و افتقاره إليه تعالى، و صغر من تكبر دونه، لقصوره عن درجة الكمال كامر.
و قوله: و تواضعت الاشياء لعظمته و انقادت لسلطانه و عزته، و ذلك لان جميع الموجودات صادرة عنه راجعة إليه و هو فاعلها و غايتها و هى طالبة لكمالاتها، فالجميع عاشقة مشتاقة لنوره و عظمته متحركة صائرة إليه و هو تعالى خلق الخلق و تجلى لهم ليعبدوه و يعظموه و يتواضعوا لعظمته و ينقاد و السلطانة و عزه، و عبر عن هذا التواضع و الانقياد بالتسبيح و السجود كقوله: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ[١]. و قوله: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ[٢]. و هذا تسبيح فطرى ذاتى عن تجلى تجلى لهم فاحبوه فخضعوا له و اطاعوه، و هذا مما لا يعرفه الا الكمل من اهل الشهود و الكشف و لهذا خاطب سبحانه فى هاتين الآيتين نبيه ٦ و هو اعظم اهل الكشف فرأى تسبيح الموجودات و سجودها و خضوعها لله تعالى. و قال فى اهل النظر و هم عامة العقلاء الانس و غيرهم: أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَ الشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَ هُمْ داخِرُونَ[٣]. اخبرهم ان ذلك التفيؤ يمينا و شمالا سجود لله و تواضع له و صغار لعظمته و ذل لسلطانه.
ثم اخبره فقال متمما: وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ[٤]، اى ممن يدب عليهما و يتحرك فيهما قال: و الملائكة، يعنى التى ليست فى سماء و لا ارض
[١]. النور/ ٤١.
[٢]. الحج/ ١٨.
[٣]. النحل/ ٤٨.
[٤]. النحل/ ٤٩.