المسائل و الرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - أحمد بن حنبل - الصفحة ٢٢٢ - التعليق
يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ[١]، و لا يجوز أن يكون اللّه سبحانه عنى بقوله: إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ نظر التفكر و الاعتبار لأن الآخرة ليست بدار استدلال و اعتبار و إنما هى دار اضطرار و لا يجوز أن يكون عنى الانتظار لأنه ليس فى شيء من أمر الجنة انتظار لأن الانتظار فيه تنغيص و تكدير و الآية خرجت مخرج البشارة و أهل الجنة فيما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر من العيش السليم و النعيم المقيم فهم ممكنون مما أرادوا و قادرون عليه و إذا خطر ببالهم شيء أتوا به مع خطوره ببالهم و إذا كان ذلك كذلك لم يجز أن يكون اللّه أراد بقوله: إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ نظر الانتظار و لأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجوه فمعناه نظر العينين اللتين فى الوجه كما قال تعالى قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ[٢]، و أراد بذلك تقلب عينيه نحو السماء، و لأنه قال: إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ و نظر الانتظار لا يكون مقرونا ب «إلى» لأنه لا يجوز عند العرب أن يقولوا فى نظر الانتظار إِلى ألا ترى أن اللّه عز و جل لما قال:
ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً لم يقل «إلى» إذ كان معناه الانتظار و قالت بلقيس فيما أخبر اللّه عنها: فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ[٣]، فلما أرادت الانتظار لم تقل «إلى» قلنا: و لا يجوز أن يكون اللّه سبحانه أراد نظر التعطف و الرحمة، لأن الخلق لا يجوز أن يتعطفوا على خالقهم، فإذا فسدت هذه الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع من أقسام النظر و هو أن معنى قوله: إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ أنها رائية ترى اللّه عز و جل، و لا يجوز أن يكون معناه: إلى ثواب ربها ناظرة لأن ثواب اللّه غير اللّه و إنما قال اللّه عز و جل:
إِلى رَبِّها و لم يقل إلى غير ربها ناظرة و القرآن على ظاهره ...[٤]. اه
و فى حقيقة الأمر أن أدلتهم قائمة على فلسفة عقلية ليس لها مجال فى أمور الغيب.
[١] - سورة محمد/ ٢٠.
[٢] - سورة البقرة/ ١٤٤.
[٣] - سورة النمل/ ٣٥.
[٤] - الاعتقاد ص: ٧٤- ٧٥ و انظر: الإبانة ص: ٥٣ و الفصل لابن حزم ٣/ ٣، و حادى الأرواح ص:
٢١٨- ٢١٩، و شرح العقيدة الطحاوية ص: ٢٠٥.