المسائل و الرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - أحمد بن حنبل - الصفحة ٢٦٦ - التعليق
بمأثور، و لا يقصد به ملاذ الدنيا. فظاهر كلام الخرقى و جماعة من أصحابنا:
أنه لا يجوز و يحتمله كلام أحمد لقوله: و لكن يدعو بما جاء و بما يعرف و حكى عنه ابن المنذر أنه قال: لا بأس يدعو الرجل بجميع حوائجه من حوائج دنياه و آخرته و هذا هو الصحيح إن شاء اللّه لظواهر الأحاديث[١]. اه
قلت: و المؤمن إذا استعان بما يتوفر له من أمور الدنيا و وظفه لما ينفعه فى آخرته فهذا محمود أما إن كانت الرغبة فى الدنيا و مطالبها للدنيا ذاتها مع اللهو و الانصراف عن اللّه عز و جل فهذا يختلف و الأجدر فى الدعاء أن يكون متوجها الوجهة الصحيحة فإن طلب المال- مثلا- لا يطلبه لأجل التفاخر و التعالى على خلق اللّه بل يطلبه ليستعين به على أمر دينه و دنياه و هكذا.
و قد جهل البعض المعنى الكبير للدعاء و زعموا أن الأفضل ترك الدعاء و الاستسلام للقضاء و القدر فإن الشيء المدعو به إن كان قد قدر فما فائدة الدعاء، فلا بد من وقوعه إذن دعا أو لم يدع و لا يخفى بطلان زعمهم هذا.
يقول ابن تيمية: زعم قوم من المبطلين متفلسفة و متصوفة أنه لا فائدة فيه أصلا فإن المشيئة الإلهية و الأسباب العلوية إما أن تكون قد اقتضت وجود المطلوب و حينئذ فلا حاجة إلى الدعاء، أو لا تكون قد اقتضته و حينئذ فلا ينفع الدعاء.
و قال قوم: بل الدعاء علامة و دلالة على حصول المطلوب و جعلوا ارتباطه بالمطلوب ارتباط الدليل بالمدلول لا ارتباط السبب بالمسبب بمنزلة الخبر الصادق و العلم السابق، و الصواب ما عليه الجمهور من أن الدعاء سبب لحصول الخير المطلوب أو غيره كسائر الأسباب المقدرة و المشروعة و سواء سمى سببا أو شرطا أو جزءا من السبب فالمقصود هنا واحد فإذا أراد اللّه بعبد خيرا ألهمه دعاءه و الاستعانة به و جعل استعانته و دعاءه سببا للخير الّذي قضاه له[٢]. اه
قال الخطابى: و من أبطل الدعاء: فقد أنكر القرآن، و رده و لا خفاء بفساد قوله، و سقوط مذهبه[٣]. اه
[١] - المغنى ١/ ٥٤٦- ٥٤٩.
[٢] - اقتضاء الصراط المستقيم ص: ٣٥٨.
[٣] - شأن الدعاء ص: ٩، و انظر ما ذكره ابن القيم فى مدارج السالكين ٣/ ١٠٦- ١١٠ حول هذا الموضوع.