غاية المأمول - كاشف الغطاء، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٥ - المبحث الرابع في الحقيقة والمجاز
المراد فكناية و إلا فحقيقة والمستعمل في غيره مجاز، ومنهم من جعل الاستعمال في وجه حقيقة ومجاز وفي وجهين كناية فالكناية عنده مستعملة فيما وضع له وغير ما وضع له، ومنهم من ثلث بوجه أخر وهو إن القرينة إن أخذت مثبتة فقط و إن أخذت سالبة لاعتبار الحقيقة أصلًا فمجاز وهذا هو الذي عليه متأخروا البيانين وكلامهم لا يقبل التأويل فالمجاز والكناية على هذا أسندوا في غير ما وضع له. ويمكن التثليث بوجه أخر وهو إن المستعمل فيه إذا لم يكن موضوعاً له فأما أن يكون منتقلًا إليه من المعنى المفهوم وكأنه دليل عليه أو لا، والأول الكناية والثاني المجاز، فعلى هذا لا دخل للقرينة في تسمية الكناية والمجاز بل لو قامت القرينة على عدم إرادة الحقيقة حال الانتقال لم تخرج الكناية عن وضعها.
ولما كان مبنى كلام القوم بهذا النحو من الاختلاف وجب علينا أن نبين السر في ذلك فنقول: لما كان مبنى كلام البيانين على مراعاة النكت واللطائف دون فهم المراد في المخاطبات التزموا تثليث القسمة ليعرفوا تلك الخواص ويبينوها، وأهل الأصول والمعقول غرضهم التوصل إلى المعاني بالقرائن وعدمها، والأول مشترك بين المجاز والكناية فلم يفرقوا بينهما فلا نزاع بينهم على هذا إلا في التسمية والأمر فيها سهل، ومن رام التوفيق بين الاصطلاحين فقد خبط عشواء، وربما توجه بعضهم لتطبيق كلام البيانيين على مذاق الأصوليين بأن المراد بمنع القرينة منعها عن انفراد المعنى الحقيقي بالإرادة ولا وجه لهذا على من تتبع كلام المتأخرين فإن كلامهم ينادي بالتثليث ولا يعتريه ثوب الاحتمال ولا يمكن توجيه كلامهم بما ذكروا على تقديره لابد من الفرق بين الكناية والمجاز بوجه أخر من الوجوه والله أعلم.
ولما أنهينا الكلام في الحقيقة والمجاز بقي الكلام في كيفية استعمالها فنقول: استعمال اللفظ أما في المعنى الحقيقي والمجازي كل على حده ولا ريب فيه وأما على الاجتماع والكلام فيه من وجهين: