غاية المأمول - كاشف الغطاء، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٤٩ - المبحث الثاني في تحسينه وتقبيحه
الثالث: إن ذلك معلوم بطريق العقل أيضاً إذْ لا كلام في تقبيح العقل إلّا كل من شيء ممتزج من الحلال والحرام بل حالة في القبح كحال أكل الحرام وكيف يرضى العقل بأن من انتهب من المال المحرم شيئاً يحرم عليه حتى إذا خلطه حل الأكل من ذلك المجتمع والحاصل دليل قبح التصرف بمال الغير قائم هنا بل وكذا جميع المحرمات وذلك ظاهر وبضميمة عدم الفرق يثبت المطلوب وعليك بالتأمل.
الرابع: ما ذكره بعض أجلاء أصحابنا من أن مثل ذلك أما أن يبقى بلا حكم أصلًا وذلك باطل أو يحكم عليهما معاً بالطهارة والإباحة مثلًا وهو باطل للعلم باختلافهما في الواقع وإن استعمالهما معاً مفضٍ إلى الوقوع في الحرام والنجس أو يحكم بطهارة أحدهما فينجس الآخر وهو ترجيح بلا مرجح فثبت المطلوب. وهذا الدليل حاصل ما ذكره العلامة في الإحقاق وفيه نظر لا يخفى على الحذاق.
وقد تبعه في ذلك العلامة البهبهاني قدس سره وفيه إنه أي بأس في اشتراك الجميع في جواز الاستعمال بشرط عدم الاجتماع وهذا يرجع على التخير بظاهر الشرع ولهذا نظير فإن المتحير يصلي إلى أي جهة شاء من الأربع مع عدم الاجتماع وإن تعين أحدها فكا الواقع وكذا ما ورد فيه خبر متعارضان فحكمه في الواقع واحد فالتخير بين الحكمين أمر راجع إلى ظاهر الشرع وكأنهما أعلى الله شأنهما إنما تمسكا بهذه الحجة مع نظرهما إلى الحجج السالفة وضمها إليها والله أعلم بحقائق الأمور.
فإن قيل ما ذكرت من الأدلة جار في المحصور وغيره مع أنك لا تقول بالأخير؟ أقول لا يخفى أن بعض ما ذكرناه سابقاً قد يتمشى هذا إلّا أن البديهة والضرورة والإجماع قاطعة لتمشية تلك الأصول في هذا المقام وله ما دليل العقل فإنما يجري في المحصور إذْ ربما أوجب عدم الاجتناب في غيره للزوم الحرج والضيق والمحنة العظيمة ولعله من جملة الأدلة المخرجة لغير المحصور وأيضاً سلب حكم العقل هنا قوة الاحتمال. أما لو ضعف جداً بحيث لا يلاحظ أصلًا فلا يحكم وذلك ظاهر لا يخفى على أرباب النظر إن قيل ما ذكرتم من التقسيم إلى المحصور وغيره يقتضي الإبهام والإجمال إذْ المحصور وغيره إن أخذت معه عظم سعته نسبيه فلا يبقى محصور وإن أخذ على اليقين وأن له في الواقع حد ألزم الإبهام.