غاية المأمول - كاشف الغطاء، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٢٢ - المبحث الثاني في تحسينه وتقبيحه
كُنّا مُعَذّبين] دلالة ظاهرة وحجة بينة وينبغي أن تعلم أن مرادنا بأصل البراءة هنا رفع الوجوب لارفع الحرمة الذي سنفرد له بحثاً ونسميه أصل الإباحة.
بقي هاهنا شيء وهو إن مرادنا بأصل البراءة رفع التكليف الظاهري الذي يدور الثواب والعقاب عليه وأما الواقعي فكثير من هذه الحجج لا تنهض عليه ويمكن أن يقرر بأن المكلف قبل التمييز لا يطلب منه واقعاً بل لا يوصف فعله وعدمه بحسن ولا قبح ويرجع إلى إثبات الإباحة الواقعية وعدم المطلوبية أصلًا أو يقال رجحانية الشيء أمر زائد والأصل عدمها.
وكيف ما كان فمراد الفقهاء رفع التكليف ظاهراً ولو أريد الواقعي فيكون إتيانه أيضاً على نحو ما تقرر، ثم هذا الأصل إنما ينتفع به مع عدم اشتغال الذمة بيقين أما لو اشتغلت كذلك فالأصل بقاء الشغل وعدم الفراغ وهذا كما في من وجب عليه مقضيات متعددة فالواجب عليه أن يفرغ ذمته بيقين فلا يؤثر الشك في الفراغ بل ولا الظن وإن ظن بعض فقهائنا الاكتفاء بمجردهما.
وإذ نبهناك على هذه الدقيقة فلا يرد عليك شبهة في أصل المطلب بأن أصل البراءة من أصله غير مستقيم وذلك بأنا نعلم إذْ علينا في نفس الأمر واجبات فقد شغلت الذمة واقعاً بيقين فلابد من الفراغ اليقيني فينتفي هذا الأصل من أصله؟ وجوابه إن حسن الشيء مع عدم التكليف به لا يقتضي وجوب الفراغ خصوصاً مع عدم التمكن منه لعدم الحصر لما يدخل فيه وربما كان الداعي إلى عدم التكليف.
واعلم أن تمشيته هذا الأصل بناءً على رأي الأشعري من إثبات الكلام النفسي وقدمه محتاج إلى النظر ووجهة ظاهرة في أصل الإباحة وقد يدرج في أصل البراءة بأن يراد البراءة عن لزوم الفعل أو لزوم الترك فيجمعهما معاً وقد أدرجه فيها بعض المتأخرين وهو حسن. وهذا الأصل محل خلاف بين المسلمين كافة أما المخالفون فهم بين قول بأن الأصل في الأشياء الحرمة واقعاً وربما قيل ظاهر أو بين واقف وبين حاكم بأصل الإباحة وأما أصحابنا الأمامية رضوان