غاية المأمول - كاشف الغطاء، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٢٠ - المبحث الثاني في تحسينه وتقبيحه
فعلى هذا لو اعترفنا بوجود المرجحات وضدها لم نلتزم بتبعية أحكام الشرع لها.
ولا يخفى عليك أن هذا في الحقيقة نزاع في المقدمة الثانية القائلة كل ما قبحه العقل قبحه الشرع أما الأولى وهو ثبوت تقبيح العقل في الجملة فهذا الدليل لا يدفعه لكن مرام الأشعرية منع الأخيرة وهو من محل الخصام أيضاً. واستندوا أيضاً إلى أن أفعال العباد اضطرارية أو غير مفعولة لهم على اختلال التقريرين فلا توصف بحسن ولا قبح وابتنوا الاضطرار بأنه لولاه لزم الترجيح بلا مرجح فيلزم الترجيح لا مرجح والثاني مبطل فيبطل الأول. وبأنه لو قال القائل لأكذبن غداً دار أمره بين النقيضين على السواء وارتفاعهما معاً محال مع أنه مكلف به لوجود القبح فيهما معاً وبتكليف أبي بتصديق النبي (ص) ومن جملة أنه لا يؤمن فيلزم عليه الإيمان وعدمه وهو تناقض والجمع بينهما محال ومن النقل بقوله تعالى [وَمَا كُنّا مُعَذّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا] والجواب عنه إنها شبهة في مقابلة البديهة فلا تؤثر، والجواب تفصيلًا سبق في صدر الكتاب فلا يفيده وقد صدر عن بعض متأخرينا القدح في المقدمة الثانية التي أشرنا إليها بأن العقل يكذب كثيراً فلا تعويل عليه وقد مضى ما يكفي في رده.
بقي هنا كلام في أن التحسين والتقبيح المذكورين هل يترتب عليهما بمجرد هما إثم ويلحق المكلف بذلك العلم العقلي عقاب أو لا؟ فبعض فضلائنا المتأخرين بعد أن سلم بتفكر المقدمتين منع التكليف مستنداً إلى ما دل على نفي التعذيب، وأقول هذا لا يدفعه العقل إن ادعى العفو وإن كان أصيلًا وإن ادعى رفع الاستحقاق فهو ظاهر البطلان مع أن الدعوى على التقدير الأول عنونه لظواهر الأدلة التي أسلفناها والأخبار التي نقلناها إذْ هي صريحة في أن الله تعالى يعاقب بمجرد دلالة العقل وإن لم يرد شرع وإنه حجة باطنة. فالآية بظاهرها لا تصلح لإبطال ما تضمنه ذلك مع أن الوجوه المذكورة في توجيهها وجيهة جداً ثم هذا الفرع عندنا قليل الجدوى إذْ عندنا لم يكن من أبينا آدم (ع)