غاية المأمول - كاشف الغطاء، الشيخ جعفر - الصفحة ١٩٦ - المبحث الثاني في الخطاب وفيه مطالب
وربما أجيب بأن المندوبية والمكروهية يتبعان النية فالإباحة حال عدمها. أقول عليه إن المندوب مندوب في نفسه وكذا الواجب والنية لترتب الثواب في غير العبادة وللصحة فيها ولا معنى لقولنا إنقاذ الغريق مباح بمعنى عدم ترتب الأجر حال عدم النية عليه، أقول والقول الأحق في المنهج الأصدق إن جهات الرجحان منها ما يتعلق بحسن المعاش وتغذية البدن وراحة النفس إلى غير ذلك. وهذه هي التي تتعلق بها الأوامر الإرشادية كمنافع المعاملات والمكاتبات ونحو ذلك وهذه لا تستلزم المندوبية أعني الراجحية بحيث يترتب عليها أثر أخروي فمن ليس مؤذياً تأذى وفعل المبغوض لنفسه ومن عكس فإن فعل الراجح لنفسه فالأكل والشرب للاستلذاذ سائغ وهي منفية مقصودة للعقلاء لكنه لا يستحق عليها أجراً ولهذا من أكل اللحم لقصد حصول القوة والقهر مثلًا لا يستحق ثواباً ومن قصد به التوصل إلى القدرة على العبادة والتوصل إلى الطاعة صيره راحجاً فهذه المنافع في حد ذاتها ليس لها رجحان أخروي إلّا طرباني وفاعلها غير عابث لتحقق المصلحة. بل يمكن أن يقال نمنع كراهة العبث مطلقاً إذْ العبث الحقيقي مستحيل والعبث الحكمي مرجوح عرفاً ولا يستلزم الشرع إلّا على نحو العرف والحاصل مرجوحيته عند الشارع نظامية تتعلق بعلم الأخلاق والله أعلم.
الفائدة الثالثة: اعلم أن وجوب المقدمة ليس على حد الواجبات الأصلية بل معنى وجوبها لا مطلوبيتها لتوقف الواجب عليها لا لأنها مرادة في نفسها فعلى هذا يجوز أن تكون محرمة في نفسها أو مكروهة أو مندوبة أو مباحة إذْ الأمر بها لا يزيد على كونه لابد منها في حصول الواجب نعم إذا انحصر ما يتوقف عليه الفعل في المحرم استحال وجوديته إذا كان الانحصار أصلياً أما إذا لم ينحصر كما في الصلاة في الدار المغصوبة مع إمكان الخروج عنها حيث نقول بأن المأمور به الطبيعة والفرد من مقدمات الوجود فشخص الصلاة إذاً واجب تخيري غيري وحرام عيني نفسي ولابأس بالاجتماع فأن المنفعة الغيريه لاتمانع المفسدة النفسية بل أكثر المفاسد تترتب عليها