غاية المأمول - كاشف الغطاء، الشيخ جعفر - الصفحة ١٩٥ - المبحث الثاني في الخطاب وفيه مطالب
ثالثاً: بأنا وإن قلنا بالوجوب الغيري فلا يزاحم الإباحة النفسية فما دل على وجوب المقدمة لا ينافي الإباحة الحيثية لا محيص لك عنها فإنه يلزمك بنحو ما ذكرت رجوع جميع الأحكام إلى واحد فإن ترك الحرام إنما يلازم فعلًا ما حراماً كان أو مكروهاً أو مندوباً أو مباحاً ويلزم على هذا وجوب الجميع ولو تخييراً فتنحصر في الوجوب وإذا حققنا مندوبيته مقدمة المندوب انحصرت في الندب. وكذا في مقدمة الحرام بناءً على حرمتها ونحوها فتختلط بالأحكام ويلزم الانحصار مع عدمه وليس سوى اعتبار الحيثية وهو بعينه جوابنا، إلّا أنه قد يقال ظاهر كلامكم إثبات الإباحة الصرفة وبعد التسليم هذا لابد من الأجوبة الماضية وهذا قد أورده بعضهم نقضاً عليه إذْ يلزم من كلامه وجوب الحرام وهو باطل عند الكل ولابد أن يضم إلى ذلك إن ما يستند إليه في دفع المحذور هو مستندنا، أقول وكلام الكعبي خارق لإجماع الفقهاء خلفاً بعد سلف بل تخميس الأحكام ظاهر على ألسنة الأعوام فضلًا عن العلماء فبطلان كلامه أظهر من أن يبين.
واعلم أن فريقاً من أصحابنا قوى دعوى الكعبي وإن خالفه في الدليل مستدلًا بأن الأفعال الصادرة عن المكلفين أما اضطرارية ولا كلام فيها أو اختيارية ولابد فيها من داع قضاء لحق الاختيار وذلك الداعي أما أن يساوي المشقة أو يزيد عليها أو ينقص فمع المساواة عبث ومع النقصان مفسدة وكلاهما مرجوح في نظر الشارع فيكون مكروهاً ومع الزيادة يكون مصلحة موافقة للحكم لرجحانه ويكون مستحباً فإذا هي بين المكروه والمندوب، وقد أجيب أو لا باختيار المساواة قولكم يلزم العبث قلنا قبحه يستلزم عدمها إذْ كل من الفعل مع مشقته يساوي الداعي فلا يبقى ضرر بل وجوده وعدمه في درجة واحدة.
وقد يقال عليه إن إيجاد غير الموجود مع عدم الأولوية أصلًا لا يخلو من قبح بل لعله مستحيل لبطلان الترجيح من غير مرجح نعم إنما يلزم الرجحان في نظره وقد يوافق الواقع وقد لا يوافق لكن يعود الكلام في ذلك المرجح ويلزم الخلاف المذكور فتأمل.